الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5502 ص: قال أبو جعفر : -رحمه الله-: فاحتج قوم بهذه الآثار، فقالوا: من تلقى شيئا قبل دخوله السوق ثم اشتراه؛ فشراؤه باطل.

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بالقوم هؤلاء: الليث بن سعد وبعض المالكية وجماعة من الظاهرية فإنهم قالوا: من تلقى شيئا قبل دخوله السوق ثم اشتراه، فشراؤه باطل.

                                                [ ص: 373 ] وقال ابن حزم : ولا يحل لأحد تلقي الجلب سواء خرج لذلك أو كان ساكنا على طريق الجلاب، وسواء بعد موضع تلقيه أو قرب، ولو أنه عن السوق على ذراع فصاعدا، لا لأضحية ولا لقوت ولا لغير ذلك، أضر ذلك بالناس أو لم يضر، فمن تلقى جلبا أي شيء كان فاشتراه، فإن الجالب بالخيار إذا دخل السوق متى ما دخله ولو بعد أعوام في إمضائه البيع أو رده، فإن رده حكم فيه بالحكم في البيع يرد بالعيب لا في المأخوذ بغير حق ولا يكون رضا الجالب إلا بأن يلفظ بالرضا لا بأن يسكت علم أو لم يعلم، فإن مات المشتري فالخيار للبائع باق، فإن مات البائع قبل أن يرد أو يمضى فالبيع تام.

                                                ثم قال: وممن نهى عن تلقي الركبان الجالبين جملة: الليث بن سعد والحسن بن حيي وأحمد بن حنبل وإسحاق والشافعي وأبو سليمان وأصحابهم، وقال الشافعي وأبو سليمان بإيجاب الخيار للبائع إذا قدم السوق، ونهى عنه الأوزاعي إن كان بالناس إليه حاجة، وقال مالك: لا يجوز ذلك للتجارة خاصة، ويؤدب من فعل ذلك في نواحي المصر فقط، ولا بأس بالتلقي لابتياع القوت من الطعام، والأضحية. انتهى.

                                                وقال عياض في "شرح مسلم": واختلف في تلقي الجلب إذا وقع، فعن مالك وبعض أصحابه: ينهى ولا ينتزع منه، ورأى بعض أصحابنا فسخ بيع المتلقي، والشافعي وأحمد يريان للبائع الخيار كما جاء في الحديث، ومال إليه بعض أصحابنا، والمشهور عن مالك وأكثر أصحابه أن يعرض على أهل السوق، فإن لم يكن سوق فأهل المصر، فيشترك فيهم من شاء منهم.

                                                وقال الإصطخري: إما يكون البائع بالخيار إذا اشتريت بأعلى من ثمنها، واختلف عندنا في حد التلقي الممنوع، فعن مالك: كراهة ذلك على مسيرة يومين، وعن مالك: تخفيفه وإباحته على ستة أميال، ولا خلاف في منعه إذا كان قرب المصر [ ص: 374 ] وأطرافه، وقال بعض المتأخرين: وكذلك يجوز تلقيها في أول السوق لا في خارجه، وكذلك إذا لم يكن للسلعة سوق فشراؤها إذا دخلت البلد جائز، وإن لم يبلغ أسواقه. انتهى.

                                                وقال أبو عمر في "التمهيد" : وجملة قول مالك في ذلك: أنه لا يجوز أن يشتري أحد من الجلب، والسلع الهابطة إلى الأسواق، وسواء هبطت من أطراف المصر أو من البوادي حتى يبلغ بالسلعة سوقها، وهذا إذا كان التلقي في أطراف المصر أو قريبا منه.

                                                قيل لمالك: أرأيت إن كان ذلك على ستة أميال؟ فقال: لا بأس بذلك، والحيوان وغير الحيوان في ذلك كله سواء.

                                                وروى أشهب عن مالك أنه كره أن يخرج الرجل من أهل الحاضرة إلى أهل الحوائط فيشتري منهم الثمرة، وكأنه رآه من التلقي، ومن بيع الحاضر للبادي، وقال أشهب: لا بأس بذلك. وروى أبو قرة، قال مالك: إني لأكره تلقي السلع وأن تبلغوا بالتلقي أربعة برد.

                                                وقال أصحاب الشافعي -رحمه الله-: تفسير النهي عن التلقي: أن يخرج أهل السوق فيخدعون أهل القافلة فيشترون منهم رخيصا، فلهم الخيار؛ لأنهم غروهم وخدعوهم.




                                                الخدمات العلمية