الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

ظاهرة التطرف والعنف (من مواجهة الآثار إلى معالجة الأسباب) [الجزء الثاني]

نخبة من الباحثين

ثالثا: الأصول الشرعية المؤسسة للأحكام الشرعية العملية الجزئية:

وهـي التي تعـرف بأصول الفقه، أو أصول الأحكام، وهي الأصول أو الأسس التي يتوصل بـها (أي توصل)، أو التي يتوسل بـها (أي تكون وسيلة) لإظهار هذه الأحكام الجزئية وإثباتها وتقريرها.

وبعض شـواهد هذه الأصول ومظاهرها يتمثل في تقرير أصل القرآن الكريم وكونه مصدرا أساسا للأحكام ومرجعا عاما ومقدسا ومهيمنا وخاتما للحكم على أفعال البشر ونوازل الحياة وقضايا الوجود والحضارة والعمران.

وتترتب على هذا التأصيل العام تأصيلات كثيرة أخرى، تتعلق بالمعارف اللغوية والشرعية والأخلاقية والتاريخية والحضارية، التي يحويها القرآن الكريم باعتبار مرجعيته العامة ومصدريته الدينية الجامعة. وتعرف هذه التأصيلات في مجـالها بأصـول استنباط الأحكام أو قواعد الأصول والاجتهاد. وكل هذا يتحدد بموجب المضمون المعرفي والمنهج الاستدلالي لعلم الأصول.

والتمثيل الجزئي لهذا قد يقتضي الربط بين الحقيقة الأصولية المصدرية للقرآن الكريم، وبين قول الحسنى وملازمة الرفق تجاه (الآخر) الإنساني الموافق أو المخالف، المتجاور أو المتحاور، المساير أو المكابر، ومفاد هذا التمثيل أن القرآن بأصـوله الـكبرى وأسسه العامة يؤصل أو يؤسس إلى القول الحسن أو القـول الأحسـن وملازمة الرفق في الأمر كله. ويستفاد هذا التأسيس من عدة أمور: [ ص: 24 ]

أ - يستفاد من الحقائق القرآنية الاستقرائية الإحسانية والرفقية، أي أنه يستفاد من عموم النظر في جميع الجزئيات القرآنية التي تجعل من الإحسان والرفق موضوعا من موضوعاتها أو معنى من معانيها، بتفاوت في مراتب الوضوح وطرق الدلالة ودرجة المراد وغير ذلك.

ومن هذه الجزئيات: قوله تعالى: ( وقولوا للناس حسنا ) (البقرة:83)، وقوله تعالى: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ) (النحل:90)، وقوله تعالى: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) (العنكبوت:46)، وقوله: ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) (الزمر:18) .

ومما يتعلق بهذه الجزئيات مواضع ومعلومات قرآنية متنوعة أشارت إلى معاني الحسنى والإحسان والرفق باعتبارها - مثلا - سلوكا ومنهجا للمرسلين والأنبياء مع أقوامهم وبيئاتهم، أو باعتبارها من صفات الخالق تبارك وتعالى، أو باعتبارهما خصلة من خصال المعروف والخير، وخلقا سماويا وإنسانيا مقصودا ومرادا لله عز وجل.

وبموجب النظر في هذه الجزئيات والمعطيات القرآنية تتقرر هذه الكلية القرآنية الأصلية التي تتفرع عنها خصلة ومظاهر الرفق والإحسان والرحمة واللين.

ب - يستفاد من الحقائق القرآنية المتصلة بالرفق والحسنى، وذلك كحقيقة الفطرة التي يقرها القرآن باعتبارها الخلقة الأصلية المجلوبة على حب [ ص: 25 ] الحسنى والرفق، وكحقيقة الهداية والإصلاح والضياء والخير وغيره من المعاني التي يتسم بـها كتاب الله عـز وجـل، والـتي تستـلزم تقـرير الحسنى والرفق، إذ تحقيق حقيقة الهداية في نفوس الناس يتوقف على مخالطتهم والصبر على ذلك. وهذه المخالطة لن تدوم ولن تفعل إلا بملازمة الرفق وإدامة الحسنى، إذ فعل كل ذلك مظنة المخالطة وجلب آثارها وفوائدها.

والخلاصة من هذا المكون الثالث هي أن الأصول الشرعية تشكل أحد الأسس المرجعية للأحكام الشرعية العملية الجزئية، بمنهجية شرعية ولغوية وسياقية وواقعية محدودة ومضبوطة ومعروفة ومصطلح عليها بمنهجية استنباط الأحكام من مدركاتها وأصولها ومظانها.

التالي السابق


الخدمات العلمية