الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

ظاهرة التطرف والعنف (من مواجهة الآثار إلى معالجة الأسباب) [الجزء الثاني]

نخبة من الباحثين

- الآليات الإنسانية والأخلاقية والحضارية والسلمية:

وهي جملة الحلول والمسالك والسلوكيات التي يراعى فيها معنى السماحة والصلح والعفو والرفق والمسـالمة، سواء مع الناس جميـعا، أو مع الذين يقعون في العنف أو يستدرجون إليه أو يحملون عليه، سواء باعتماد بعض القراءات [ ص: 98 ] الخاطئـة للنصـوص والأحـكام والأوضاع والمعطيات، أو بتوجيه وتحريض من قبل بعـض الجهـات التي تستفيد من العنف وتحقق به فوائد كثيرة، على حساب حقوق الناس وقيم الدين وأصحاب العنف أنفسهم.

ومهم جدا أن تعالج حالات العنف أو بعضها بروح إصلاحية وتسامحية وسلمية، تعاد فيها الثقة والتوازن للقائمين بالعنف، ويعاد إدماجهم في الدورة الاجتمـاعية والوطنـية، وتراجـع فيـه نفوس كثيرة وأمور مختلفة قد تكون أسهمـت بطـريق أو بآخر في قيام العنف وانتشاره، وتتجنب فيها الآثار السلبية المترتبة على المعـالجة (العـدلية المكافئة)، لا المعالجة (الإحسانية الإيثارية)، إذ المعالجة بالعدل أمر مشروع، وفيه تثبت الحقوق لأصحابها، وكذلك المعالجة بالإحسان أمر مشروع أيضا، وفيه تثبت المكارم لأربابها، والله تعالى قد أمر بالعدل وأمر بالإحسان، وأمر بإيتاء ذي القربى، وهؤلاء أو بعض هؤلاء المعنفين أو المتعنفين هم من أبناء جلدتنا ومن ذوي قربتنا. ومن الممكن أن تعالج حالاتهم بناء على المعاني الثلاثة، على معنى العدل الذي تستقر فيه الحقوق وتثبت لأصحابها، وعلى معنى الإحسان الذي يبنى على العفو والتنازل والإيثار، وعلى معنى القرابة التي يستلزم وصلها وتعميقها بعدم المكافئة وعدم المعاملة بالمثل، وربما بإشعار هؤلاء بقرابتهم وتقريبهم من كيان القرابة واسترجاعهم إلى دفء المجتمع ورعاية الدولة وشهادة الأمة. [ ص: 99 ]

ثم إن الكبير هو الذي يعد محل منتهى الإكرام وغاية الصبر وشدة التحمل وعمق الرغبة في الإصلاح والعفو والمسامحة، ووصفه بهذه الأوصاف لكبره الـدال على عمـق خبرته وقوة إيمانه وشدة حرصه ونضج نظره وكثرة ما مر عليه من النوازل والمصاعب والشدائد، وهذا الكبير ينبغي أن يكون كبيرا في عقله وتوازنه واكتمال خبرته، وكبيرا في عفوه ورفقه وسماحته، وكبيرا في إيثار ما هو آت على ما هو كائن، وفي تفضيل الأخرى الآجلة على الدنيا العاجلة، ( والآخرة خير لمن اتقى ) (النساء:77)، ( وللآخرة خير لك من الأولى ) (الضحى:4).

والكبير الذي يصدر منه العفو عن التعنيف، هو الإنسان الفرد الذي قد يبتلى بعنف معين يأتي على بدنه أو ماله، وهو الفئة أو الدولة أو الكيان أو التكتل الذي قد يسلط عليه بعض العنف المادي أو اللفظي أو المعنوي، وهؤلاء جميعا مدعوون إلى الصلح والسلم والعفو والمسامحة والإحسان. قال تعالى: ( والصلح خير ) (النساء:128)، وقال: ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) (البقرة:208)، وقال: ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ) (البقرة:219)، وقال: ( وأحسنوا والله يحب المحسنين ) (البقرة:195). [ ص: 100 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية