الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          ويحبس المستور ليبين أمره أو ثلاثا على وجهين نقل حنبل : حتى يبين أمره ، ونص أحمد ومحققو أصحابه على حبسه ، واحتج أحمد { بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة } ، بخلاف دعوى بيع أو قرض ونحوه ، لتفريطه بترك كتابته والإشهاد ، وأن تحليف كل مدعى عليه وإرساله مجانا ليس مذهبا لإمام ، واحتج في مكان آخر بأن قوما اتهموا أناسا بسرقة فرفعوهم إلى النعمان بن بشير فحبسهم أياما ثم أطلقهم ، فقالوا له : خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان ، فقال لهم : إن شئتم ضربتهم ، فإن ظهر ما لكم وإلا ضربتكم مثل ما ضربتهم ، فقالوا هذا حكمك ؟ فقال : حكم الله تعالى ورسوله . إسناده جيد رواه النسائي وأبو داود وترجم عليه : باب في الامتحان بالضرب ، وظاهره أنه قال به

                                                                                                          ، وقال به شيخنا وفي الأحكام السلطانية : يحبسه وال قال : فظاهر كلام أحمد : وقاض ، وأنه ليشهد له { ويدرأ عنها العذاب } الآية حملنا على الحبس لقوة التهمة .

                                                                                                          وذكر شيخنا : الأول قول أكثر العلماء ، واختار تعزير مدع بسرقة [ ص: 480 ] ونحوها على من تعلم براءته ، واختار أن خبر من له رائي جني بأن فلانا سرق كذا كخبر إنسي مجهول ، فيفيد تهمة كما تقدم ، وفي الأحكام السلطانية .

                                                                                                          يضربه الوالي مع قوة التهمة تعزيرا ، فإن ضرب ليقر لم يصح ، وإن ضرب ليصدق عن حاله فأقر تحت الضرب قطع ضربه وأعيد إقراره ليؤخذ به ، ويكره الاكتفاء بالأول ، كذا قال ، قال شيخنا : إذا كان معروفا بالفجور المناسب للتهمة قال طائفة : يضربه الوالي والقاضي ، وقال طائفة : الوالي دون القاصي ، وقد ذكر ذلك طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد ، وفي الصحيح : { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الزبير أن يمس بعض المعاهدين بالعذاب لما كتم إخباره بالمال الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهدهم عليه ، وقال له : أين كنز حيي بن أخطب ؟ فقال : يا محمد ، أذهبته النفقات والحروب ، فقال : المال كثير ، والعهد أقرب من هذا . وقال للزبير : دونك هذا ، فمسه الزبير بشيء من العذاب ، فدلهم على المال } ، وفي كتاب الهدي ما هو نفس كلام شيخنا أن في هذا الخبر دليلا على الاستدلال بالقرائن على صحة الدعوى وفسادها ، وكذلك فعل سليمان عليه السلام في استدلاله بالقرينة على تعين أم الطفل الذي ذهب به الذئب وادعت كل واحدة من المرأتين أنه ابنها ، واختصمتا إليه في الآخر ، فقضى به داود للكبرى ، فخرجتا على سليمان فقال : بم قضى بينكما نبي الله ؟ فأخبرتاه ، فقال : ائتوني بالسكين أشقه بينكما ، فقالت الصغرى : لا تفعل ، رحمك الله ، هو ابنها ، فقضى به لها ، فلو اتفقت مثل هذه القصة [ ص: 481 ] في شريعتنا عمل بالقافة وفاقا لمالك والشافعي ، قال أصحابنا : وكذا لو اشتبه ولد مسلمة وكافرة وتوقف فيها أحمد ، فقيل له : ترى القافة ؟ فقال : ما أحسنه ، فإن لم توجد قافة وحكم بينهما حاكم بمثل حكم سليمان كان صوابا ، وكان أولى من القرعة ، لأن القرعة مع عدم الترجيح ، فلو ترجح بيد أو شاهد واحد أو قرينة ظاهرة من لوث أو نكول أو موافقة شاهد الحال لصدقه ، كدعوى حاسر الرأس عن العمامة عمامة من بيده عمامة وهو يشتد عدوا وعلى رأسه أخرى ، ونظائر ذلك ، قدم على القرعة ، كدعوى كل واحد من الزوجين قماش البيت وآلاته ، وكل واحد من الصانعين آلات صنعته ، والحكم بالقسامة هو من هذا ، ولم يقص النبي صلى الله عليه وسلم قصة سليمان إلا ليعتبر بها في الأحكام ، وترجم عليها النسائي : باب في الحاكم يوهم خلاف الحق ليستعلم به الحق .

                                                                                                          ونقل الجماعة أنه قال قول عمر ليس الرجل بأمين على نفسه إذا أجعته أو ضربته أو حبسته ، فإذا أقر على هذا لم يؤخذ به ، ولا تمتحنه بقول زنيت سرقت حتى يجيء هو يقر ، أما من عرف بالخير فلا يجوز إلزامه بشيء ويحلف ويترك إجماعا .

                                                                                                          [ ص: 479 ]

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          [ ص: 479 ] تنبيه ) قوله : " ويحبس المستور ليبين أمره ولو ثلاثا على وجهين " ، انتهى . هذا من تتمة كلام الشيخ تقي الدين ، وليس من الخلاف المطلق .




                                                                                                          الخدمات العلمية