الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( فصل )

وأما الطير : فثلاثة أنواع ؛ أحدها : الحمام وفيه شاة قال أحمد - في رواية ابن القاسم وسندي - : كل طير يعب الماء مثل الحمام يشرب كما يشرب الحمام : فيه شاة ، وما كان مثل العصفور ونحوه : ففيه القيمة ، ويلزم [ ص: 298 ] المحرم كما يلزم الحلال في حمام الحرم .

والطير صيد ، والدجاج ليس بطير ، وإنما أهلي ، وقال - في رواية ابن منصور - : حمام الحل والحرم سواء ، وذلك لما روى ....

وعن سعيد بن جبير قال : " كان ابن عباس يقول : في طير حمام مكة شاة " .

وعن عطاء ، عن ابن عباس أنه كان يقول : " - في الحمام والقمري والدبسي والقطا والحجلة - شاة شاة " .

وعن عطاء : " أن غلاما من قريش قتل حمامة الحرم ، فسأل أبوه ابن عباس ، فأمره أن يذبح شاة " .

وعن يوسف بن ماهك وعطاء قالا : " أغلق رجل بابه على حمامة وفرخيها [ ص: 299 ] وانطلق إلى عرفات ، فرجع وقد متن ، فأتى ابن عمر فسأله ، فجعل عليه ثلاثا من الغنم وحكم معه رجل " .

والمراد بالحمام وما أشبهه : كلما عب الماء ولم يتعرض للهدير ؛ لأن الحمام يشبه الغنم من حيث يعب الماء كما الغنم تعب الماء .

وقال أبو الخطاب وغيره : هو كل ما عب وهدر ؛ والعب هو شرب الماء متواصلا وهو خلاف المص ، فإن الدجاج والعصافير تشرب الماء متفرقا ومنه الكباد من العباب ، وقال الكسائي : كل مطوق حمام ... ، ومنه [ ص: 300 ] الشفانين ، والوراشين ، والقماري ، والدباسي ، والفواخت والقطاء والقبج .

هذا قول .... أبي الخطاب .

وذكر القاضي - في خلافه - : القطاء والسمان مع العصافير . وما كان أصغر من الحمام فلا مثل له ، لكن فيه القيمة ، نص عليه ؛ لما روى عكرمة عن ابن عباس قال : " كل يصيبه المحرم دون الحمامة قيمته " رواه سعيد والنجاد ولفظه : ما أصيب من الطير دون الحمام ففيه الفدية .

وعن عكرمة قال: " سأل مروان ابن عباس - ونحن بوادي الأزرق - قال : [ ص: 301 ] الصيد يصيبه المحرم ليس له بدل من النعم ؟ فقال ابن عباس : " ثمنه يهدى إلى مكة " رواه سعيد . ولا يعرف له مخالف ، ولأن الله أوجب المثل من النعم ، أو كفارة طعام مساكين ، أو الصيام ، فإذا تعذر أحد الخصال : وجب الإخراج من الباقي ، كما لو عجز عن الصيام ، وكخصال كفارة اليمين وفدية الأذى .

ولأن الله حرم قتل الصيد ، وذلك يعم جميع أنواعه ، وأوجب فيما حرم الجزاء أو الكفارة ، أو الصيام ، فعلم دخول ذلك تحت العموم .

وأما ما كان أكبر من الحمام مثل الحبارى والكروان والكركي والحجل واليعقوب وهو ذكر القبج : فقد خرجه .... ، وأبو الخطاب على وجهين ؛ أحدهما : أن فيه القيمة وهو مقتضى كلام الشيخ هنا ؛ لأنه أوجب القيمة في الطير كله إلا الحمام والنعامة ؛ لأن القياس يقتضي إيجابها في جميع أنواع الطير ، لكن ترك هذا القياس في الجماع استحسانا لإجماع الصحابة ، ولأنه يشبه الغنم في عب الماء فيبقى ما سواه على موجب القياس .

[ ص: 302 ] والثاني : يجب فيه شاة وهو الذي ذكره ابن أبي موسى وهو ظاهر كلام أحمد ، بل نصه ، فإنه قال : وما كان مثل العصفور ونحوه ففيه شاة . وهذا أصح ؛ لأن ابن عباس قال : " في الحمام والدبسي والقمري والقطاء والحجل : شاة شاة " .

وقال أيضا - " ما أصيب من الطير دون الحمام : ففيه القيمة " فعلم أنه أوجب شاة في الحمام وما كان مثله وأكبر منه ، وأوجب القيمة فيما دونه .

وأيضا : فإن هذا أكبر من الحمام : فكان أولى بإيجاب الشاة ....

وأيضا : فإن المماثلة كما تعتبر في الخلقة والصورة : فتعتبر في الصفات والأخلاق وجنس الطير بما أوتي من المنعة وطيب اللحم : أفضل من الدواب ، فجاز أن يعادل هذا ما في الإنعام من كبر الخلقة .

فعلى هذا ما كان أكبر من الشاة إن كان ... .

التالي السابق


الخدمات العلمية