الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( فصل )

فأما الثياب المصبوغة بغير طيب ؛ فلا يكره منها في الإحرام إلا ما يكره في الحل ، لكن المستحب في الإحرام لبس البياض ، قال - في رواية حنبل - : لا بأس أن يلبس المحرم الثوب المصبوغ ما لم يمسه ورس ولا زعفران ؛ وإن كان غير ذلك فلا بأس ولا بأس أن تلبس المحرمة الحلي والمعصفر . وقال في رواية الفضل بن زياد لا بأس أن تلبس المرأة الحلي والمعصفر من الثياب ، ولا تلبس ما مسه ورس ولا زعفران .

وقال - في رواية صالح - : وتلبس المرأة المعصفر ، ولا تلبس ما فيه الورس [ ص: 95 ] والزعفران . وقال حرب : قلت لأحمد : المحرم يلبس الثوب المصبوغ ؟ قال : إذا كان شهرة فلا يعجبني .

وقد أطلق كثير من أصحابنا : أن للمحرم أن يلبس المعصفر يريدون به المرأة كما ذكره أحمد خصوه بالذكر لأجل الخلاف ، ليبنوا أن الإحرام لا يمنع منه ، وقيده آخرون بالمرأة على المنصوص ، وهو أجود عبارة .

قال ابن أبي موسى : وللمرأة أن تلبس الحلي والمعصفر والمخيط من الثياب ولا تلبس القفازين ، ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا طيب .

فأما الرجل : فإنه يكره له المعصفر في الإحرام والإحلال كما نص عليه أحمد في غير موضع ، وقد تقدم هذا .

وقد زعم بعض أصحابنا : أنه لا يكره للرجال ولا للنساء وحمل حديث علي على الخصوص به ، وهذا هو الذي ذكره القاضي في خلافه في هذا الموضع وطائفة معه ، وهو خلاف المنصوص ، وخلاف ما ذكره في غير هذا الموضع . وهو غلط على المذهب ؛ وذلك لأن في حديث ابن عمر أنه سمع النبي [ ص: 96 ] - صلى الله عليه وسلم - " ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب ، ولتلبس بعد ذلك ما شاءت من ألوان الثياب من معصفر ، أو خز أو حلي ، أو سراويل أو قميص أو خف " رواه أبو داود ، وتكلم على هذه الزيادة .

فإن كانت مرفوعة : فقد ثبتت بها الحجة ، وإن كانت موقوفة على ابن عمر : فقد فهم من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - إباحة ما سوى المورس والمزعفر ؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب ، فذكر الأصناف الخمسة ، وذكر من المصبوغ ما مسه ورس أو زعفران : حصر المحرم ، لأن المباح لا ينحصر ، فعلم أن ما سوى ذلك مباح .

وعن كثير بن جهمان قال : "كان على ابن عمر ثوبان مصبوغان ، فقال له رجل : يا أبا عبد الرحمن تنهى الناس عن الثياب المصبغة وتلبسها ؟ قال : ويحك إنما هو بمدر " رواه سعيد .

وروى أحمد في مسائل حنبل بإسناد صحيح عن عائشة بنت سعد قالت : "كن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرمن في المعصفرات " .

وعن القاسم بن محمد : "أنه رأى عائشة تلبس الثياب المعصفرة وهي [ ص: 97 ] محرمة " رواه الليث عن يحيى بن سعيد عن القاسم ، وعن عطاء قال " رأيت على عائشة - أم المؤمنين - درعا موردا وهي محرمة " .

وعن القاسم قال : " كانت عائشة تلبس المعصفر وهي محرمة " .

وعن عبدة بن أبي لبابة ، عن عائشة أنها سئلت : " ما تلبس المحرمة ؟ فقالت : من خزها وقزها وحريرها وعصفرها " رواهن سعيد .

وعن عروة " أن أسماء ابنة أبي بكر كانت تلبس الثياب المصبغة المشبعات بالعصفر ليس فيها زعفران وهي محرمة " .

وعن نافع قال : " كن نساء ابن عمر وبناته يلبسن الحلي والمعصفرات وهن محرمات لا ينكر ذلك عبد الله " رواه أبو بكر .

[ ص: 98 ] ولأن المعصفر ليس بطيب ; لأنه إنما يقصد به لونه لا ريحه ; لأن رائحته غير مستلذة ; ولأنه ليس طيبا إذا انفرد ، فلا يكون طيبا إذا صبغ به ، وعكسه الزعفران والورس .

ولأنه صبغ من الأصباغ لا يقصد ريحه فلم يكره كالحلي وغيره من الأصباغ .

وقد احتج من لم يكرهه للرجال : ما روى الشعبي قال : " أحرم عقيل بن أبي طالب في موردين ، فقال له عمر : خالفت الناس ، فقال علي لعمر : دعنا منك فإنه ليس لأحد أن يعلمنا بالسنة ، فقال له عمر : صدقت " .

وعن أبي جعفر محمد بن علي قال : " أبصر عمر بن الخطاب على عبد الله بن جعفر ثوبين مضرجين يعني موردين وهو محرم فقال : ما هذا ؟ فقال [ ص: 99 ] علي : ما أخال أحدا يعلمنا بالسنة " .

وعن أبي هريرة " أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - خرج حاجا ومعه علي ، وجاء محمد بن جعفر وقد كان دخل بأهله في تلك الليلة فلحقهم بليل ، فجاء وعليه معصفرة ، فلما رآه عثمان انتهره وأقف به ، وقال : أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المعصفر ؟ فقال له علي : إنه لم ينهه ولا إياك إنما نهاني " .... النجاد .

وعن أبي الزبير قال : " كنت مع ابن عمر فأتاه رجل عليه ثوبان معصفران ، وهو محرم فقال : في هذين علي بأس ؟ قال : فيهما طيب ؟ قال : لا ، قال : لا بأس " .

وعن أبي الزبير عن جابر قال : " إذا لم يكن في الثوب المعصفر طيب فلا [ ص: 100 ] بأس به للمحرم أن يلبسه " رواهما النجاد .

وهذا يحمل على غير المشبع بحيث يكون رقيق الحمرة ، فإن المكروه منه المشبع ، وإلا فقد تقدمت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نهي الرجال عن المعصفر وهي تقضي على كل أحد .

فإن قيل : فقد روى أسلم أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم ، فقال عمر : ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة ؟ قال طلحة : يا أمير المؤمنين ، إنما هو مدر ، فقال عمر - رضي الله عنه - : إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس ولو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال : إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام ، فلا تلبسوا أيها الرهط شيئا من الثياب المصبغة " رواه مالك وغيره ، وفي رواية لسعيد : إنه أبصر على طلحة ثوبين مصبوغين بمشق وهو محرم ، وفي رواية للنجاد " إنكم أئمة ينظر إليكم فعليكم بهذا البياض ، ويراكم الرجل فيقول رأيت على [ ص: 101 ] رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثوبين مصبوغين " فقد حمله بعض أصحابنا على أنه خاف اقتداء الجاهل به في لبس المصبوغات مطلقا من غير فرق بين المطيب وغيره فعلى هذا يكره .

وقد أطلق أحمد لبس المصبوغ في رواية ، وكرهه في رواية إذا كان شهرة ، وهذا يحتمل أن يشتهر فيقتدي به الجاهل أو تمتد إليه الأبصار خصوصا في الإحرام ؛ فإن عامة الناس عليهم البياض ، فعلى هذا يكره ما كان زينة إذا ظهر .

وعلى ذلك يحمل ما روى الأسود عن عائشة قالت : " تلبس المحرمة ما شاءت إلا البرقع والمتورد بالعصفر " رواه سعيد بإسناد صحيح .

وعن إبراهيم عنها أنها قالت : " يكره الثوب المصبوغ بالزعفران ، والمشبعة بالعصفر للرجال والنساء إلا أن يكون ثوبا غسيلا " رواه النجاد .

فهذا محمول على ما إذا ظهرت ..

فأما الحلي والحرير ونحو ذلك : فلا بأس به للمحرمة نص عليه كما تقدم . وعنه ما يدل على الكراهة ، قال - في رواية محمد بن حرب الجرجرائي - [ ص: 102 ] وقد سئل عن الخضاب للمحرم ، قال : ليس بمنزلة طيب ، ولكنه زينة وقد كره الزينة عطاء للمحرم .

فقد أخذ بقول عطاء ، والمنقول عن عطاء : " أنه كان يكره للمحرمة الزينة كلها الحلي وغيره " . رواه سعيد عن ابن جريج عنه وروى عنه أيضا - : أنه كان يكره للمحرمة الثوب المصبوغ بالمعصفر ، أو بثوب مسه زعفران أو شيء من الطيب ، رواه سعيد أيضا .

التالي السابق


الخدمات العلمية