الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( فصل )

وللوقوف بعرفة مكان وزمان ، فأما حدود عرفات فقد تقدم ، وأما زمان [ ص: 577 ] الوقوف : فاليوم التاسع من ذي الحجة ، وهو يوم عرفة ، وليلة العاشر من ذي الحجة إلى طلوع الفجر ، وتسمى ليلة المزدلفة ، وليلة النحر ، وليلة عرفة . فمن طلع الفجر ولم يقف في شيء من عرفة : فقد فاته الحج ؛ لأن الله قال : ( فإذا أفضتم من عرفات ) وإذا كلمة توقيت ، وتحديد ، فأشعر ذلك بأن الإفاضة لها وقت محدود ، إلا أن يقال : . . . ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج " ، وهذا ذكره في معرض تحديد وقت الوقوف ، فعلم أن من جاءها ليلا فقد أدرك الحج ، ومن لم يوافها حتى طلع الفجر فقد فاته الحج .

وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : " من شهد صلاتنا هذه ، ووقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا ، أو نهارا ...... " . والصلاة بالمزدلفة : هي أول ما يبزغ الفجر . فعلم أن وقت الوقوف قبل ميقات تلك الصلاة ليلا أو نهارا . وإنما يكون هذا قبل طلوع الفجر يوم النحر . وهذا مما أجمع عليه .

وعن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول : " من لم يقف بعرفة ليلة جمع قبل [ ص: 578 ] أن يطلع الفجر فقد فاته الحج ، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج" رواه مالك عن نافع عنه .

ومن لم يواف عرفة إلا ليلا أجزأه الوقوف ولو لحظة في بعض جوانبها ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك " ، وقوله : " وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا " .

ولا دم عليه ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم : ذكر أنه يدرك الحج ، وأنه قد تم حجه وقضى تفثه ، ولم يذكر أن عليه دما ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، لا سيما في حكم عظيم أردف خلفه من ينادي به في الناس في حجة الوداع .

ومن وافاها نهارا فإنه يجب عليه أن يقف إلى الليل - كما سيأتي - لكن لو لم يقف إلى الليل إما بأن يدفع منها ، أو يعرض ما يمنع صحة الوقوف من إغماء أو موت ، فإنه يجزئه إن وقف بعد الزوال .

وأما إن وقف قبل الزوال : ففيه روايتان :

إحداهما : يجزئه الوقوف في أية ساعة كان من يوم عرفة وليلتها من طلوع فجر يومها إلى طلوع فجر يوم النحر . قال إسحاق بن منصور : قال أحمد : إذا كان مريضا أهل من الميقات ثم أغمي عليه بعرفات فلم يقف حتى أصبح : فلا حج له ، فإن أفاق ولو ساعة إلى أن يطلع الفجر [ من ليل أو نهار فقد تم حجه ، ويرمى عنه : قلت لأحمد : إذا عقل عند الميقات فأهل بعرفة ساعة ] قال : قد أجزأ عنه .

[ ص: 579 ] وقال حنبل : سمعت أبا عبد الله يقول : كل من وقف بعرفة من ليل أو نهار ولو ساعة ، فقد تم حجه .

وهذا قول أكثر أصحابنا ، مثل أبي بكر ، وابن أبي موسى ، وابن حامد ، والقاضي ، وأصحابه ، قالوا : لو وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ، ونفر منها قبل الزوال : أساء ، وحجه تام ، وعليه دم .

والثانية : لا يجزئه إلا بعد الزوال ، وهو قول ابن بطة ، وأبي حفص العكبريين ، فمن لم يقف - عندهم - بعد الزوال : فحجه باطل ، قال أحمد - في رواية عبد الله وأبي الحارث - وقد سئل عن الذي يشرد به بعيره بعرفة - فقال : كل من وطئ عرفة بليل أو نهار بعد أن يقف الناس : فقد تم حجه إذا أتى ما يجب عليه . ويدخل على قول من قال : يجزئه حجه إذا أغمي عليه بعرفة : لو أن رجلا أغمي عليه في أول يوم من شهر رمضان حتى انسلخ عنه ، فلم يأكل ولم يشرب : أنه يجزئه صوم رمضان ولا يقضي شيئا من الصلاة .

فقد قيد الوقوف المجزئ : أن يكون بعد وقوف الناس بها ، وأول وقت وقوف الناس بعد زوال الشمس ؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما وقف بعد الزوال ، وهذه السنة المورثة عنه المنقولة نقلا عاما ، فلو كان قبل الزوال وقت وقوف [ ص: 580 ] لوقف فيه ، ولم ينزل بنمرة ، وهي خارجة عن المعرف ، إذ المسارعة إلى العبادة أولى من التأخير .

ولأن مواقيت العبادات إنما تتلقى من فعله - صلى الله عليه وسلم - ، أو قوله .

وإنما وقف بعد الزوال كما رمى جمار أيام منى بعد الزوال ، وكما صلى الظهر وغيرها من العبادات في مواقيتها ، والعبادة المفعولة قبل وقتها لا تصح بخلاف المفعولة بعد وقتها .

وفي حديث ابن عمر المتقدم : " إذا كان عشية عرفة باهى الله بالحاج " فمن لم يقف إلى العشية لم يباه الله به ، فلا يكون من الحاج .

ولأن الرمي المشروع - بعد الزوال - : لا يجوز تقديمه على وقته ، وإن جاز التأخير عنه . فالوقوف أولى وأحرى .

ولأن الوقوف : عبادة مشروعة عشية اليوم ، فلا يجوز فعلها قبل الزوال كالظهر والعصر ، وهذا لأن ما بين زوال الشمس إلى طلوع الفجر : مواقيت الصلوات المكتوبات ، فجاز أن يجعلها الله ميقاتا للمناسك التي هي من جنس الصلاة بخلاف صدر النهار .

ووجه الأول : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا ، أو نهارا فقد تم حجه ، وقضى تفثه " . وقضاء التفث بالصلاة بمزدلفة ، وبأن يقف قبل ذلك بعرفة ليلا ، أو نهارا ، فمن وقف بعرفة قبل الزوال وأفاض إلى جمع فوقف بها مع الإمام ، فقد دخل في عموم الحديث . ولو كان وقت الإجزاء بعد الزوال لقال : "ووقف بعرفة قبل ذلك ليلا ، أو نهارا بعد الزوال .

فإن قيل : إنما معناه : بعرفة قبل ذلك ليلا فقط ، أو نهارا إلى الليل ؛ لأن [ ص: 581 ] المخاطبين قد علموا أن من وقف نهارا وصل الوقوف إلى الليل ، والشك إنما كان فيمن لم يدركها إلا ليلا ، فخرج كلامه لبيان ما أشكل بدليل أن الوقوف إلى آخر النهار واجب ، وتركه موجب للدم ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنه قد تم حجه وقضى تفثه ، ولم يذكر دما ، ومن يكون قد ترك واجبا لا يكون حجه تاما إلا بإخراج الدم .

قيل : أولا هذا السؤال إنما يصح ممن يقول : إن الوقوف بالليل ركن كما قال مالك . ولا يختلف المذهب أن من دفع قبل غروب الشمس صح حجه ، لكن عليه دم كما سيأتي بيانه إن شاء الله ، وبين ضعف هذا : أنه على هذا التقدير يكون الوقت المعتبر هو الليل فقط ، فكان يكفي أن يقال : ووقف بعرفة قبل ذلك في شيء من الليل ، فلما قال : " ووقف بعرفة ليلا أو نهارا " علم أن كلا منهما وقت للوقوف على انفراد ، وحج من وقف في أحدهما تام ، وتفثه مقضي ، نعم قد يجب عليه دم في بعض الأوقات ، وليس كل من لم يدرك آخر النهار عليه دم كما سيأتي .

وأيضا : فقوله - في بعض الروايات - : "أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أو نهارا فقد تم حجه" يبطل هذا التأويل ؛ لأن من أفاض نهارا لم يقف إلى الليل . . .

[ ص: 582 ] وأما الإجماع : فقال أبو عبد الله - في رواية عبد الله وأبي الحارث - : قوله : الحج عرفة . على السلامة ، فإذا هو عمل ما يعمل الناس من طواف يوم النحر فهو الطواف الواجب ؛ لأنه لم يختلف الناس - علمنا - أنه من لم يطف يوم النحر أنه يرجع حتى يطوف ، ولو كان قد أتى أهله ، وذلك مشبه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها " . فإذا أدرك ركعة أفليس عليه أن يأتي بها على كمالها ، وما أفسد آخرها أفسد أولها ، وإنما ذلك على كمالها . وكذلك الواقف بعرفة ما لم يأت برمي الجمار ، وهذه الأشياء : فحجه فاسد إذا وطئ قبل رمي الجمار ، وإن كان قد وقف بعرفة ؛ لأن الإحرام قائم عليه ، وإذا رمى الجمار : فقد انتقض إحرامه ، وحل له كل شيء إلا النساء .

التالي السابق


الخدمات العلمية