الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

قد قلنا : إنه يجوز أن يصوم من حين الإحرام بالعمرة ، وإنما يكون هذا إذا لم يجد هديا حينئذ ، ويغلب على ظنه أنه لا يجده إلى يوم النحر ، فأما إن غلب عليه أنه يجده يوم النحر .. . .

[ ص: 347 ] فإذا شرع في صوم الثلاثة لم يلزمه الانتقال إلى الهدي ، بل يمضي في صومه ، وإن انتقل إليه فهو أفضل .

قال - في رواية حنبل - في المتمتع إذا صام أياما ، ثم أيسر أرجو أن يجزئه الصيام ، ويمضي فيه .

وقال - في رواية ابن منصور - في متمتع لم يجد ما يذبح ، فصام ثم وجد يوم النحر ما يذبح ؛ فمتى دخل في الصوم فليس عليه ، ونقول - في الكفارات كلها - : إذا دخل في الصوم يمضي فيه ، وكذلك إذا تيمم ثم دخل في الصلاة ، فليمض .

وهذا أصل مطرد لنا في الكفارات كلها : إذا قدر على التكفير بالمال بعد الشروع في الصيام : لم يلزمه الانتقال ؛ لأن الصوم لا يبطل بوجود الرقبة والهدي .

ويتخرج أنه يلزمه الانتقال ؛ لأن الهدي - على وجه - مثل ذلك الكفارات [ ص: 348 ] أنه إذا أيسر في الصيام انتقل إلى المال ، والانتقال هنا أوجه ؛ لأن الهدي إنما يستقر وجوبه وإنما يجزئ ذبحه يوم النحر بخلاف العتق في الكفارات فإن استقراره قبل الشروع في الصوم ، نعم هو يشبه كفارة الظهار إذا قلنا لا تستقر إلا بالوطء وكفر قبله .

وقد خرج ابن عقيل أنه يلزمه الانتقال التي بعد الشروع على الرواية التي تقول : الاعتبار في الكفارات بأغلظ الحالين .

وهذا تخريج غير سديد ؛ لأن ذلك إنما يجيء فيما إذا وجد الهدي قبل الشروع في الصوم كما سنذكره ، فإن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه حتى وجد الهدي : فهل يلزمه الانتقال إليه ؟ ذكر أصحابنا فيه روايتين ، أصحهما لا يلزمه الانتقال أيضا ، وبنوا ذلك على الروايتين في الكفارة : هل العبرة بحال الوجوب ، أو بأغلظ الحالين من حال الوجوب والأداء ، وهذا ينبني على حال وجوب الصوم ، فإن قلنا : يجب إذا أحرم بالحج ، وكان قد أحرم قبل النحر بأيام فهذه صورة مستقيمة .

وأما إن قلنا : إنه لا يجب الصوم ولا الهدي إلى يوم النحر ، أو قلنا : إذا أحرم [ ص: 349 ] بالحج فلم يحرم به إلى اليوم السابع ، أو الثامن ، أو التاسع فإنما معناه لا يجب وجوب استقرار في الذمة ، وإلا فإنه يجب عليه فعل الصوم قبل يوم النحر بلا تردد ، كما قلنا في المظاهر يجب عليه إخراج الكفارة قبل الوطء ، وإن قلنا لا يستقر في ذمته إلا بالوطء ، فنقول على هذا : إنما يجب عليه أداء الصوم قبل النحر بثلاث ليال ، فإذا وجد الهدي بعد انقضاء بعضها من غير صوم ، ثم وجد الهدي فهذه الصورة : يجب أن يجب فيها الهدي ولا يجزئه الصوم ، كما لو عزم المظاهر على العود ، ولم يصم حتى وجد الرقبة ، وذلك لأنه وجد الهدي قبل أن يجب الصوم ؛ فإن الصوم لا يجب في الذمة إلا إذا أحرم بالحج ، أو وقف بعرفة .

ووجوب أدائه قبل ذلك .. . .

وأما إن كان فرضه الصوم ودخل يوم النحر ولم يصم ، ثم وجد الهدي فهنا يشبه مسألة الكفارات إلا أن الصوم هنا فات وقته ، بخلاف الصوم في الكفارات . فقد فرط بتفويته ، وقد اختلفت الرواية عنه : فعنه أنه يهدي هديان ولا يجزئه الصوم ، وعنه : يقضي الصوم ويهدي ، وعنه : يقضيه من غير هدي كما سيأتي إن شاء الله . فإن هذه المسألة لها مأخذان ؛ أحدهما : أنه قد استقر البدل في الذمة .

والثاني : أنه قد فوته .

وأما التفريق بين أن يقدر على الهدي ، أو لا يقدر .. . .

التالي السابق


الخدمات العلمية