الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ وَدِيعَةٌ - دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ ، أَوْ شَيْءٌ مِنْ الْمَكِيلِ ، أَوْ الْمَوْزُونِ - فَأَنْفَقَ طَائِفَةً مِنْهُمَا فِي حَاجَتِهِ : كَانَ ضَامِنًا لِمَا أَنْفَقَ مِنْهَا - اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ - وَلَوْ لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا لَمَا بَقِيَ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ فِي الْبَاقِي حَافِظٌ لِلْمَالِكِ ، وَبِمَا أَنْفَقَ لَمْ يَتَعَيَّبْ الْبَاقِي ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَوْدَعَهُ وَدِيعَتَيْنِ ، فَأَنْفَقَ إحْدَاهُمَا : لَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْأُخْرَى ، فَإِنْ جَاءَ بِمِثْلِ مَا أَنْفَقَ ، فَخَلَطَهُ بِالْبَاقِي ، صَارَ ضَامِنًا لِجَمِيعِهَا ; لِأَنَّ مَا أَنْفَقَ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ ، وَهُوَ لَا يَنْفَرِدُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْ صَاحِبِهِ ، فَيَكُونُ فِعْلُهُ هَذَا خَلْطًا لِمَا بَقِيَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ حِين أَنْفَقَ بَعْضَهَا وَجَاءَ ، بِمِثْلِهِ فَخَلَطَ بِالْبَاقِي أُفْتِي بِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا لَهَا كُلَّهَا ، فَبَاعَهَا ثُمَّ جَاءَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ فَضَمَّنَهَا إيَّاهُ ، وَفِي الثَّمَنِ فَضْلٌ قَالَ : يَطِيبُ لَهُ حِصَّةُ مَا خَلَطَهُ بِهَا مِنْ مَالِهِ مِنْ الْفَضْلِ ; لِأَنَّهُ رِبْحٌ حَصَلَ عَلَى مِلْكِهِ وَضَمَانِهِ ، وَيَتَصَدَّقُ بِحِصَّةِ الثَّانِي مِنْ الْوَدِيعَةِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لَا يَتَصَدَّقُ بِهِ ; لِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ قَدْ مَلَكَهُ ، مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ وُجُوبِ الضَّمَانِ ، وَلِهَذَا نَفَذَ بَيْعُهُ ، فَكَانَ هَذَا رِبْحًا حَاصِلًا عَلَى مِلْكِهِ وَضَمَانِهِ ، فَيَطِيبُ لَهُ كَمَا فِي حِصَّةِ مِلْكِهِ ، وَهُمَا يَقُولَانِ : هَذَا رِبْحٌ حَصَلَ لَهُ بِكَسْبٍ خَبِيثٍ ، فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ ، إمَّا لِبَقَاءِ مِلْكِ الْمُودِعِ - كَمَا فِي الْبَاقِي بَعْدَ الْخَلْطِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، أَوْ لِبَقَاءِ حَقِّهِ عَلَى مَا قُلْنَا - وَالرِّبْحُ الْحَاصِلُ بِكَسْبٍ خَبِيثٍ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُودَعَ عِنْدَ الْبَيْعِ يُخْبِرُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يَبِيعُ مِلْكَهُ وَحَقَّهُ ، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ ، وَالْكَذِبُ فِي التِّجَارَةِ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ ; بِدَلِيلِ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ عُرْوَةَ الْكِنَانِيِّ قَالَ : { كُنَّا نَتَبَايَعُ فِي الْأَسْوَاقِ بِالْأَوْسَاقِ وَنُسَمِّي أَنْفُسَنَا السَّمَاسِرَةَ ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَمَّانَا بِأَحْسَنِ الْأَسْمَاءِ وَقَالَ : يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ ، إنَّ تِجَارَتَكُمْ هَذِهِ يَحْضُرُهَا اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ ; فَشُوبُوهَا بِالصَّدَقَةِ } . فَعَمِلْنَا بِالْحَدِيثِ فِي إيجَابِ التَّصَدُّقِ بِالْفَضْلِ . وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ شَيْئًا يُبَاعُ . فَإِنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ : فَالدَّرَاهِمُ يُشْتَرَى بِهَا ، ثُمَّ يُنْظَرُ : إنْ اشْتَرَى بِهَا بِعَيْنِهَا وَنَقَدَهَا ، لَا يَطِيبُ لَهُ الْفَصْلُ أَيْضًا ، وَإِنْ اشْتَرَى بِهَا ، وَنَقَدَ غَيْرَهَا ، أَوْ اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ ، ثُمَّ نَقَدَهَا : يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ هُنَا ; لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، مَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ التَّسْلِيمُ . وَلِهَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ غَيْرَهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، فَأَمَّا بِالْقَبْضِ يَتَعَيَّنُ نَوْعٌ تَعَيُّنٍ ، وَلِهَذَا لَا يُمْلَكُ اسْتِرْدَادُ الْمَقْبُوضِ مِنْ الْبَائِعِ لِيُعْطِيَهُ مِثْلَهَا ; فَلِهَذَا قُلْنَا : إذَا اسْتَعَانَ فِي الْعَقْدِ وَالنَّقْدِ جَمِيعًا بِالدَّرَاهِمِ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْمَغْصُوبَةِ ، لَا يَطِيبُ لَهُ الْفَضْلُ ، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى بِهَا مَأْكُولًا وَنَقَدَهَا ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ . وَلَوْ اشْتَرَى بِدَرَاهِمَ مُطْلَقَةٍ ثُمَّ نَقَدَ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ : حَلَّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية