الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( فأما شركة المفاوضة ) فهي جائزة " عندنا " . وقال مالك رحمه الله تعالى : لا أعرف ما المفاوضة ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : إن كان في الدنيا عقد فاسد فهو المفاوضة . وربما قال أنه نوع من القمار ، فأما مالك رحمه الله فإن كان لا يعرفها لغة فقد بينا اشتقاقها ، وإن كان لا يعرفها شرعا فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { تفاوضوا ; فإنه أعظم للبركة } . وقال عليه الصلاة والسلام { : إذا فاوضتم فأحسنوا المفاوضة } . وأما الشافعي رحمه الله فإنه ينبني على مذهبه أن الأصل شركة الملك ، وما هو موجب المفاوضة قط لا يثبت باعتبار شركة الملك ; فلهذا أفسدها ، وقال : لأنها تتضمن الكفالة بالمجهول للمجهول ; فإن كل واحد منهما يكون كفيلا عن صاحبه فيما يلزمه بجهة التجارة ، والكفالة للمجهول بالمعلوم باطل ، فبالمجهول أولى . والذي يقول إنه ضرب من القمار فإنما يدخل ذلك على مذهب الثوري ; لأنه يقول : إذا ورث أحدهما مالا يكون ذلك مشتركا بينهما ، ولسنا نقول بذلك ; فلا يدخل ذلك على مذهبنا ، وحجتنا في ذلك أن هذه الشركة تتضمن الكفالة والوكالة ، وكل واحد منهما صحيح مقصودا ، فكذلك في ضمن الشركة ، فأما الجهالة بعينها لا تبطل الكفالة ، ولكن تمكن المنازعة سببا ، وذلك منعدم هنا ; لأن كل واحد منهما إنما يصير ضامنا عن صاحبه ما لزمه بتجارته ، وعند اللزوم : المضمون له ، والمضمون به معلوم ، ومثل هذا لا يوجد في شركة العنان فإن التوكيل بشراء مجهول الجنس لا يصح مقصودا ، ثم صحت شركة العنان ، وإن تضمنت ذلك ; لأن ما يشتريه كل واحد منهما غير مسمى في العقد ، فكذلك المفاوضة . ومن شروط هذا العقد أن يتساويا في رأس المال ، ولا يختص أحدهما بملك مال يصلح أن يكون رأس ماله في الشركة من النقود ، وأن يتساويا في الربح فلا يشترط لأحدهما زيادة على صاحبه ; لما بينا أن قضية اللفظ المساواة . ثم في ظاهر هذه الرواية تصح هذه الشركة [ ص: 154 ] من غير خلط المالين ، والمالان لا يختلطان كالدراهم والدنانير ، والسود والبيض وزفر رحمه الله لا يجوز هذه الشركة بدون خلط المالين برواية واحدة ( قال ) : لأنه لو جاز لكان كل واحد منهما مختصا بملك مال بعد عقد الشركة ، وذلك لا يجوز في هذا العقد .

( وقد ) روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أن هذه الشركة لا تجوز بمالين لا يختلطان ; لأن المساواة شرط في هذا العقد ، والمساواة بين الدراهم والدنانير في المالية إنما تكون بالتقويم . وطريق ذلك الحرز . والمساواة شرعا لا تثبت بهذا الطريق كالمساواة التي تشترط في مبادلة الأموال الربوية بجنسها . وإن كان رأس مال أحدهما بيضا ، ورأس مال الآخر سودا ، وبينهما تفاوت في الصرف : لا يجوز هذا العقد في ظاهر الرواية ; لعدم المساواة .

( وذكر ) إسماعيل بن حماد عن أبي يوسف رحمهم الله أنه يجوز ; لأنه لا قيمة للجودة في الأموال الربوية إذا قوبلت بجنسها ، وإنما تعتبر المساواة في الوزن . قال - صلى الله عليه وسلم - { : جيدها ورديئها سواء } . وروى الحسن عن أبي حنيفة أن المفاوضة لا تنعقد إلا بلفظ المفاوضة ، حتى إذا لم يذكر لفظة المفاوضة كان عنانا عاما . والعنان قد يكون عاما ، وقد يكون خاصا ، وتأويل هذا : أن أكثر الناس لا يعرفون جميع أحكام المفاوضة ; فلا يتحقق منهما الرضا بحكم المفاوضة قبل علمهما به ويجعل تصريحهما بالمفاوضة قائما مقام ذلك كله فإن كان المتعاقدان يعرفان أحكام المفاوضة صح العقد بينهما إذا ذكرا معنى المفاوضة ، وإن لم يصرحا بلفظها ; لأن المعتبر المعنى دون اللفظ .

التالي السابق


الخدمات العلمية