الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
فإن وضعها في بيته أو صندوقه ، فهلكت : لم يضمنه ; لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { من أودع وديعة فهلكت : فلا ضمان عليه . } ولحديث ابن الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { ليس على المستعير غير المغل ضمان ، ولا على المودع غير المغل ضمان . } فالمراد بالمغل : الخائن . قال - صلى الله عليه وسلم - { : لا إغلال ولا إسلال في الإسلام } . والإغلال : الخيانة ، والإسلال : السرقة . وقد قيل : المغل المنتفع ، من قولهم : أرض مغل ، أي كثير الريع والغلة ، فعلى هذا : المراد : المنتفع بغير إذن صاحبه . وقال عمر : العارية كالوديعة ، لا يضمنها صاحبها إلا بالتعدي . وقال علي : لا ضمان على راع ، ولا على مؤتمن . والمعنى فيه : أن المودع متبرع في حفظها لصاحبها ، والتبرع لا يوجب ضمانا على المتبرع للمتبرع عليه ، فكان هلاكها في يده كهلاكها في يد صاحبها ، وهو معنى قول الفقهاء - رحمهم الله تعالى - : يد المودع كيد المودع . ويستوي إن هلك بما يمكن التحرز عنه ، أو بما لا يمكن ; لأن الهلاك بما يمكن التحرز عنه بمعنى العيب في الحفظ ، ولكن صفة السلامة عن العيب إنما تصير مستحقا في المعاوضة - دون التبرع - والمودع متبرع ، فإن دفعها إلى بعض من في عياله - من زوجته أو ولده أو والديه أو أجيره - فلا ضمان عليه إذا هلكت - استحسانا - وفي القياس : هو ضامن ; لأنه استحفظ - من استحفظ - منه ، ويؤيد وجه القياس - قوله تعالى - { : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } . [ ص: 110 ] والمراد : النساء ، فإن كان هو منهيا عن دفع مال نفسه إلى امرأته ، فما ظنك في مال غيره ؟ . وجه الاستحسان : أن المطلوب منه : حفظ الوديعة على الوجه الذي يحفظ مال نفسه ، والإنسان يحفظ مال نفسه بيد من في عياله ، على ما قيل : قوام العالم بشيئين : كاسب يجمع ، وساكنة تحفظ ، ولأنه لا يجد بدا من هذا ، فإنه إذا خرج من داره - في حاجته - لا يمكنه أن يجعل الوديعة مع نفسه ، وإذا خلفها في داره صارت في يد امرأته حكما ، وما لا يمكن الامتناع عنه عفو . وذكر في جملة من في عياله : الأجير ، والمراد : التلميذ الخاص الذي استأجره مشاهرة ، أو مسانهة ، فأما الأجير بعمل من الأعمال - كسائر الأجانب - يضمن الوديعة بالدفع إليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية