الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      سُورَةُ "ص" الْمَقْصُودُ مِنْهَا بَيَانُ مَا ذُكِرَ فِي آخِرِ "الصَّافَّاتِ"؛ مِنْ أَنَّ جُنْدَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ - وَإِنْ رُئِيَ أَنَّهُمْ ضُعَفَاءُ؛ وَإِنْ تَأَخَّرَ نَصْرُهُمْ - غَلَبَةً آخِرُهَا سَلَامَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ؛ لِأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - وَاحِدٌ لِكَوْنِهِ مُحِيطًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ؛ كَمَا أَفْهَمَهُ آخِرُ "الصَّافَّاتِ"؛ مِنَ التَّنْزِيهِ؛ وَالْحَمْدِ؛ وَمَا مَعَهُمَا؛ وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّتْ تَسْمِيَتُهَا بِحَرْفِ "ص"؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُ مِنْ طَرْفِ اللِّسَانِ؛ وَبَيْنَ أُصُولِ الثَّنِيَّتَيْنِ السُّفْلِيَّتَيْنِ؛ وَلَهُ مِنَ الصِّفَاتِ: الْهَمْسُ؛ وَالرَّخَاوَةُ؛ وَالْإِطْبَاقُ؛ وَالِاسْتِعْلَاءُ؛ وَالصَّفِيرُ؛ فَكَانَ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُ أَمْكَنُ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ؛ وَأَوْسَعُهَا؛ وَأَخَفُّهَا؛ وَأَرْشَقُهَا؛ وَأَغْلَبُهَا؛ وَلِأَنَّ مَا لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ الْعَالِيَةِ أَكْثَرُ مِنْ ضِدِّهَا؛ وَأَفْخَمُ؛ وَأَعْلَى؛ وَأَضْخَمُ؛ وَلِذَلِكَ ذُكِرَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَيْدِيهِمْ إِهْلَاكٌ؛ بَلِ ابْتُلُوا؛ وَعُرِفُوا؛ وَسَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِنْ أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْجِنِّ؛ وَالْإِنْسِ؛ وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؛ وَعَنْ غَيْرِهِ؛ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ: اللَّهُ صَادِقٌ فِيمَا وَعَدَ؛ أَوْ صَدَقَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ أَوْ صَادَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ قُلُوبَ الْخَلْقِ؛ وَاسْتَمَالَهَا؛ وَبِهِ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ؛ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنْ "الصَّيْدُ"؛ وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ بِكَسْرِ الصَّادِ؛ عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ "الْمُصَادَاةُ"؛ وَهِيَ الْمُعَارَضَةُ؛ أَيْ: عَارِضْ بِمَا أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ الْخَلَائِقَ؛ وَجَادِلْهُمْ بِهِ؛ فَإِنَّكَ تَغْلِبُهُمْ؛ لِأَنَّ الصِّدْقَ سَيْفُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ؛ مَا وَضَعَهُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا قَطَعَهُ؛ وَقَدِ انْبَسَطَ هَذَا الصِّدْقُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الصَّادُ عَلَى كُلِّ صِدْقٍ فِي الْوُجُودِ؛ فَاسْتَمَالَ كُلَّ مَنْ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الصِّدْقِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ فَذِكْرُ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - شَاهِدٌ وُجُودِيٌّ عَلَى مَا هُوَ مَعْنَى الصَّادِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ؛ مِنْ أَنَّهُ مُطَابَقَةُ مَا بَيْنَ الْخَلْقِ؛ وَالْأَمْرِ؛ وَتُسَمَّى "سُورَةُ دَاوُدَ" - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَحَالُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدَلُّ أَحْوَالِ مَنْ فِيهَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى هَذَا الْمَقْصُودِ؛ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ أَوَّلًا؛ وَالْمُلْكِ آخِرًا؛ " بِسْمِ اللَّهِ " ؛ الَّذِي يُعِزُّ مَنِ انْتَمَى إِلَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا؛ لِأَنَّهُ الْعَزِيزُ؛ " الرَّحْمَنِ " ؛ الَّذِي لَهُ الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ عَلَى أَنْ يَرْحَمَ بِالضَّرَّاءِ؛ كَمَا يَرْحَمُ بِالسَّرَّاءِ؛ " الرَّحِيمِ " ؛ الَّذِي أَكْرَمَ أَهْلَ وُدِّهِ؛ بِالْإِعَانَةِ عَلَى لُزُومِ شُكْرِهِ؛ وَحَمْدِهِ. وَلَمَّا نَزَّهَ رَبُّنَا - سُبْحَانَهُ - نَفْسَهُ الْأَقْدَسَ؛ فِي خِتَامِ تِلْكَ؛ عَنْ كُلِّ شَائِبَةِ نَقْصٍ؛ وَأَثْبَتَ لَهُ كُلَّ كَمَالٍ؛ نَاصًّا عَلَى الْعِزَّةِ؛ وَأَوْجَبَ لِلْمُرْسَلِينَ السَّلَامَةَ؛ افْتَتَحَ هَذِهِ بِالْإِشَارَةِ إِلَى دَلِيلِ ذَلِكَ؛ بِخِذْلَانِ مَنْ يُنَازِعُ فِيهِ؛ فَقَالَ: ص ؛ أَيْ: إِنَّ أَمْرَكَ - يَا مَنْ أَمَرْنَاهُ بِاسْتِفْتَاءِ الْعُصَاةِ آخِرَ "الصَّافَّاتِ"؛ وَبَشَّرْنَاهُ بِالنَّصْرِ - مُهَيَّأٌ مَعَ الضَّعْفِ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ الْآنَ؛ وَالرَّخَاوَةِ؛ وَالْإِطْبَاقِ؛ وَعُلُوٍّ وَانْتِشَارٍ يَمْلَأُ الْآفَاقَ؛ وَالْقُرْآنِ ؛ أَيْ: الْجَامِعِ - مَعَ الْبَيَانِ - لِكُلِّ خَيْرٍ؛ لِأَتْبَاعٍ لَا يُحْصِيهِمُ الْعَدُّ؛ وَلَا يُحِيطُ بِهِمُ الْحَدُّ؛ وَلَمَّا كَانَ الْقَسَمُ لَا يَلِيقُ؛ وَلَا يَحْسُنُ إِلَّا بِمَا يَعْتَقِدُ الْمُقْسَمُ لَهُ شَرَفَهُ؛ قَالَ: ذِي الذِّكْرِ ؛ أَيْ: الْمَوْعِظَةِ؛ وَالتَّذْكِيرِ بِمَا يُعْرَفُ؛ وَالْعُلُوِّ؛ وَالشَّرَفِ؛ وَالصِّدْقِ؛ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ؛ فَكُلُّ مَنْ سَمِعَهُ اعْتَقَدَ شَرَفَهُ؛ وَصَدَّقَ الْآتِيَ بِهِ؛ لَيَمْلَأَنَّ شَرَفُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ الْأَقْطَارَ؛ وَلَيَزِيدَنَّ عَلَى كُلِّ مِقْدَارٍ؛ كَمَا تَقَدَّمَتِ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ بِالْحَرْفِ الْأَوَّلِ؛ وَالَّذِينَ كَفَرُوا - وَإِنْ أَظْهَرُوا الشَّكَّ فِي ذَلِكَ؛ وَانْتَقَصُوهُ قَوْلًا - فَإِنَّهُمْ لَا يَنْتَقِصُونَهُ عِلْمًا؛

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية