الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 3464 بَابُ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي الْبَدْوِ، بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : (بَابُ تَحْرِيمِ رُجُوعِ الْمُهَاجِرِ، إِلَى اسْتِيطَانِ وَطَنِهِ) . حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيِّ ص 6 ج 13 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ [ (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ! ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ تَعَرَّبْتَ. قَالَ: لَا. وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَسَلَّمَ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ] . السراج الوهاج (الشَّرْحُ) قَالَ عِيَاضٌ : أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ تَرْكِ الْمُهَاجِرِ هِجْرَتَهُ ، وَرُجُوعِهِ إِلَى وَطَنِهِ . وَعَلَى أَنَّ ارْتِدَادَ الْمُهَاجِرِ أَعْرَابِيًّا ، مِنَ الْكَبَائِرِ . قَالَ: وَلِهَذَا أَشَارَ الْحَجَّاجُ . إِلَى أَنْ أَعْلَمَهُ سَلَمَةُ : أَنَّ خُرُوجَهُ إِلَى الْبَادِيَةِ ، إِنَّمَا هُوَ بِإِذْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَلَعَلَّهُ رَجَعَ إِلَى غَيْرِ وَطَنِهِ . أَوْ لِأَنَّ الْغَرَضَ فِي مُلَازَمَةِ الْمُهَاجِرِ أَرْضَهُ الَّتِي هَاجَرَ إِلَيْهَا ، وَفَرْضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ : إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، لِنُصْرَتِهِ . أَوْ لِيَكُونَ مَعَهُ . أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ . فَلَمَّا كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ ، وَأَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، وَأَذَلَّ الْكَفْرَ وَأَعَزَّ الْمُسْلِمِينَ : سَقَطَ فَرْضُ الْهِجْرَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ " ، وَقَالَ : " مَضَتِ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا "، أَيِ : الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ، لِمُوَاسَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَمُؤَازَرَتِهِ وَنُصْرَةِ دِينِهِ ، وَضَبْطِ شَرِيعَتِهِ . قَالَ : وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْهِجْرَةِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، قَبْلَ الْفَتْحِ . وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمْ ; فَقِيلَ : لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى غَيْرِهِمْ، بَلْ كَانَتْ نَدْبًا . ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ . لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَأْمُرِ الْوُفُودَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْفَتْحِ : بِالْهِجْرَةِ . وَقِيلَ : إِنَّمَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى مَنْ لَمْ يُسْلِمْ كُلُّ أَهْلِ بَلَدِهِ ، لِئَلَّا يَبْقَى فِي طَوْعِ أَحْكَامِ الْكُفَّارِ . انْتَهَى. " فَائِدَةٌ " قَالَ فِي الْمُنْتَقَى : (بَابُ بَقَاءِ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَأَنْ لَا هِجْرَةَ مِنْ دَارٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا) . ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ ; مِنْهَا : حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ ، فَهُوَ مِثْلُهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قَالَ الذَّهَبِيُّ : إِسْنَادُهُ مُظْلِمٌ . لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْمَقَالُ ، لَكِنْ يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ : قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ . وَفِيهِ : دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مُسَاكَنَةِ الْكُفَّارِ ، وَوُجُوبِ مُفَارَقَتِهِمْ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ " جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ " يَرْفَعُهُ : " أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ ، يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَلِمَ ؟ قَالَ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا . وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ . وَلَكِنْ صَحَّحَ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ : إِرْسَالُهُ إِلَى قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مَوْصُولًا أَيْضًا. وَمِنْهَا : حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ ، حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ . وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ ، قَالَ الْخَطَابِيُّ : إِسْنَادُهُ فِيهِ مَقَالٌ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ ، مَا قُوتِلَ الْعَدُوُّ " . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ مَنْدَهْ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَالْبَغَوِيُّ ، وَابْنُ عَسَاكِرَ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ " ابْنِ عَبَّاسٍ " بِمِثْلِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ ، فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ عَائِشَةَ ، (وَسُئِلَتْ عَنِ الْهِجْرَةِ ؟ قَالَتْ : لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ . كَانَ الْمُؤْمِنُ يَفِرُّ بِدِينِهِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ . فَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ . وَالْمُؤْمِنُ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَمِنْهَا : حَدِيثُ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ، فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا . وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ; فَقَالَ الْخَطَابِيُّ وَغَيْرُهُ : كَانَتِ الْهِجْرَةُ فَرْضًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، عَلَى مَنْ أَسْلَمَ . لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ ، وَحَاجَتِهِمْ إِلَى الِاجْتِمَاعِ. فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ ، دَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَقَطَ فَرْضُ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَبَقِيَ فَرْضُ الْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ عَلَى مَنْ قَامَ بِهِ . أَوْ نَزَلَ بِهِ عَدُوٌّ . انْتَهَى. قَالَ الْحَافِظُ : وَكَانَتِ الْحِكْمَةُ أَيْضًا فِي وُجُوبِ الْهِجْرَةِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ : لِيَسْلَمَ مِنْ أَذَى مَنْ يُؤْذِيهِ مِنَ الْكُفَّارِ . فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعَذِّبُونَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ . وَفِيهِمْ نَزَلَتْ : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ، الْآيَةَ. وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةُ الْحُكْمِ ، فِي حَقٍّ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْكُفْرِ وَقَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إِذَا قُدِرَ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ ، فِي بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ ، فَقَدْ صَارَتِ الْبَلَدُ بِهِ دَارَ إِسْلَامٍ . فَالْإِقَامَةُ فِيهَا ، أَفْضَلُ مِنَ الرِّحْلَةِ عَنْهَا ، لِمَا يُتَرَجَّى مِنْ دُخُولِ غَيْرِهِ فِي الْإِسْلَامِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الرَّأْيِ مِنَ الْمُصَادَمَةِ لِأَحَادِيثِ الْبَابِ ، الْقَاضِيَةِ بِتَحْرِيمِ الْإِقَامَةِ فِي دَارِ الْكُفْرِ . وَقَالَ الْخَطَابِيُّ أَيْضًا : إِنَّ الْهِجْرَةَ افْتُرِضَتْ " لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ " إِلَى حَضْرَتِهِ ، لِلْقِتَالِ مَعَهُ وَتَعَلُّمِ شَرَائِعِ الدِّينِ . وَقَدْ أَكَّدَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ ، حَتَّى قَطَعَ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ ، فَقَالَ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا . فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ جَمِيعِ الْقَبَائِلِ: انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ الْوَاجِبَةُ . وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي " شَرْحِ السُّنَّةِ ": يُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بِطَرِيقٍ أُخْرَى . فَقَوْلُهُ : "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ " . أَيْ : مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ . وَقَوْلُهُ : " لَا تَنْقَطِعُ " . أَيْ : مِنْ دَارِ الْكُفْرِ - فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ - إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ . وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ : " لَا هِجْرَةَ " أَيْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَانَ ، بِنِيَّةِ عَدَمِ الرُّجُوعِ إِلَى الْوَطَنِ الْمُهَاجَرِ مِنْهُ : إِلَّا بِإِذْنٍ . فَقَوْلُهُ : " لَا تَنْقَطِعُ " أَيْ هِجْرَةُ مَنْ هَاجَرَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَصْفِ ، مِنَ الْأَعْرَابِ وَنَحْوِهِمْ . وَقَدْ أَفْصَحَ " ابْنُ عُمَرَ " بِالْمُرَادِ ، فِيمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِلَفْظِ : " انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ بَعْدَ الْفَتْحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ . وَلَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ ، أَيْ : مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا دَارُ كُفْرٍ ، فَالْهِجْرَةُ وَاجِبَةٌ مِنْهَا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ ، وَخَشِيَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَى دِينِهِ . وَمَفْهُومُهُ : أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنْ لَا يَبْقَى فِي الدُّنْيَا دَارُ كُفْرٍ : أَنَّ الْهِجْرَةَ تَنْقَطِعُ ، لِانْقِطَاعِ مُوجِبِهَا . وَأَطْلَقَ ابْنُ التِّينِ : أَنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، كَانَتْ وَاجِبَةً . وَأَنَّ مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ - بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ - بِغَيْرِ عُذْرٍ ، كَانَ كَافِرًا. قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ إِطْلَاقٌ مَرْدُودٌ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : " الْهِجْرَةُ " هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَكَانَتْ فَرْضًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ . وَاسْتَمَرَّتْ بَعْدَهُ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ . وَالَّتِي انْقَطَعَتْ أَصْلًا ، هِيَ الْقَصْدُ إِلَى حَيْثُ كَانَ . وَقَدْ حَكَى فِي الْبَحْرِ : أَنَّ الْهِجْرَةَ عَنْ دَارِ الْكُفْرِ وَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا ، حَيْثُ حُمِلَ عَلَى مَعْصِيَةِ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ ، أَوْ طَلَبَهَا الْإِمَامُ بِقُوَّتِهِ لِسُلْطَانِهِ . وَقَدْ ذَهَبَ جَعْفَرُ بْنُ مُبَشِّرٍ : إِلَى وُجُوبِ الْهِجْرَةِ عَنْ دَارِ الْفِسْقِ ، قِيَاسًا عَلَى دَارِ الْكُفْرِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَهُوَ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ . قَالَ : وَالْحَقُّ : عَدَمُ وُجُوبِهَا مِنْ دَارِ الْفِسْقِ ، لِأَنَّهَا دَارُ إِسْلَامٍ . وَإِلْحَاقُ دَارِ الْإِسْلَامِ بِدَارِ الْكُفْرِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْمَعَاصِي فِيهَا عَلَى وَجْهِ الظُّهُورِ : لَيْسَ بِمُنَاسِبِ لِعِلْمِ الرِّوَايَةِ ، وَلَا لِعِلْمِ الدِّرَايَةِ . قَالَ : وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَفَاصِيلِ الدُّورِ وَالْأَعْذَارِ الْمُسَوِّغَةِ لِتَرْكِ الْهِجْرَةِ ، مَبَاحِثُ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهَا . انْتَهَى . وَأَقُولُ : قَالَ الْأَكْثَرُ : إِنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ ، مَا ظَهَرَ فِيهِ الشَّهَادَتَانِ وَالصَّلَاةُ. وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهَا خَصْلَةٌ كُفْرِيَّةٌ وَلَوْ تَأْوِيلًا ، إِلَّا بِجِوَارٍ وَذِمَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، كَإِظْهَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : بَلْ دَارُ الْإِسْلَامِ مَا ظَهَرَ فِيهَا مَا ذُكِرَ ، وَلَوْ ظَهَرَتْ فِيهَا الْخِصَالُ الْكُفْرِيَّةُ مِنْ غَيْرِ جِوَارٍ . وَقِيلَ : الْعِبْرَةُ فِي الدَّارِ ، بِالْغَلَبَةِ وَالْقُوَّةِ . فَإِنْ كَانَتِ الْقُوَّةُ لِلْكُفَّارِ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ رَعِيَّةٍ ، كَانَتِ الدَّارُ دَارَ كُفْرٍ . وَإِنْ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ ، كَانَتْ دَارَ إِسْلَامٍ . وَقِيلَ : بَلِ الْعِبْرَةُ بِالْكَثْرَةِ . فَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ مُسْلِمِينَ ، فَهِيَ دَارُ إِسْلَامٍ. وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ كُفَّارًا ، فَهِيَ دَارُ كُفْرٍ . وَقِيلَ : الْحُكْمُ لِلسُّلْطَانِ . فَإِنْ كَانَ كَافِرًا ، كَانَتِ الدَّارُ دَارَ كُفْرٍ ، وَلَوْ كَانَتِ الرَّعِيَّةُ كُلُّهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا ، كَانَتْ دَارَ إِسْلَامٍ ، وَلَوْ كَانَتِ الرَّعِيَّةُ كُلُّهُمْ كُفَّارًا . احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ : بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي إِثْبَاتِ الدَّارِ : هُوَ مَكَّةُ قَبْلَ الْفَتْحِ ، وَالْمَدِينَةُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ . فَإِنَّهَا كَانَتْ لَا تَظْهَرُ فِي مَكَّةَ الصَّلَاةُ وَالشَّهَادَتَانِ ، إِلَّا بِجِوَارٍ مِنَ الْكُفَّارِ . وَالْكُفْرُ فِيهَا ظَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ جِوَارٍ . وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ دَارَ إِسْلَامٍ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ، إِذْ كَانَ فِيهَا ظُهُورُ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ جِوَارٍ ، وَلَا يَظْهَرُ الْكُفْرُ إِلَّا بِجِوَارٍ . فَكَانَتْ دَارَ إِسْلَامٍ . وَاسْتُدِلَّ لِلْحَنَفِيَّةِ : بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ ، حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "، الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : "فَإِذَا قَالُوهَا ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا " قَالُوا : فَإِذَا حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا ، وَكَانُوا مُحْتَرَمِي الدَّمِ وَالْمَالِ لِإِسْلَامِهِمْ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَقِفُونَ فِيهِ : دَارَ إِسْلَامٍ . قَالُوا : وَدَارُ الْكُفْرِ : مَا ظَهَرَتْ فِيهِ خِصَالُهُ ، وَتَاخَمَتْ بِلَادَ أَهْلِهِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهَا خَصْلَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ ، إِلَّا بِجِوَارٍ . وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ : " الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى " . وَبِأَنَّهُ يُلْحَقُ الصَّبِيُّ بِالْمُسْلِمِ مِنْ أَبَوَيْهِ . بِدَلِيلِ حَدِيثِ عُلُوِّ الْإِسْلَامِ . وَبِأَنَّ الْمَدِينَةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَيْهَا ، كَانَتْ تَظْهَرُ فِيهَا كَلِمَةُ الْكُفْرِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِلَا جِوَارٍ لَهُمْ ، مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى كَوْنِهَا دَارَ إِسْلَامٍ . وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ مَاهِيَّةِ الظُّهُورِ ، الْمَأْخُوذِ فِي حَقِيقَةِ الدَّارَيْنِ . هَلْ هُوَ إِضَافِيٌّ ، أَمْ حَقِيقِيٌّ ؟ فَأَمَّا الظُّهُورُ الْمَأْخُوذُ فِي حَقِيقَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ كَوْنِهِ حَقِيقِيًّا (أَيْ غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِكُفْرٍ) ، أَوْ إِضَافِيًّا (وَهُوَ الْمَسْبُوقُ بِالْكُفْرِ) . وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْحَقِيقِيُّ وَالْإِضَافِيُّ ، فِي ظُهُورِ كَلِمَةِ " الْكُفْرِ " الْمَأْخُوذِ فِي حَقِيقَةِ دَارِ الْكُفْرِ. فَإِنْ كَانَ حَقِيقِيًّا (أَيْ غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِظُهُورِ الْإِسْلَامِ) ، فَلَا مِرْيَةَ فِي كَوْنِ مَا هَذَا حَالُهُ مِنَ الْبِقَاعِ : دَارَ حَرْبٍ ، يَجْرِي عَلَى أَهْلِهَا أَحْكَامُ الْحَرْبِيِّينَ ، مِنَ اسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ ، وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَحْكَامِ . وَإِنْ كَانَ إِضَافِيًّا (أَيْ مَسْبُوقًا بِظُهُورِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ ظَهَرَتْ كَلِمَةُ الْكُفْرِ مِنْ أَهْلِهِ السَّاكِنِينَ فِيهِ ، خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ، فَالْأَظْهَرُ : كَوْنُهُمْ مُرْتَدِّينَ لَا حَرْبِيِّينَ . لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالصَّانِعِ ، وَتَقَدُّمِ إِقْرَارِهِمْ بِالشَّرَائِعِ . وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ السَّاكِنِينَ فِيهِ . بَلْ لَوْ فَرَضْنَا انْقِرَاضَهُمْ ، وَاخْتِطَاطَ كُفَّارٍ أَصْلِيِّينَ لِذَلِكَ الْمَحَلِّ ، وَثُبُوتَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ فِيهِ ، فَهُمْ حَرْبِيُّونَ . وَيَكُونُ الْمَحَلُّ " دَارَ حَرْبٍ "، إِنْ صَدَقَ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي بَيَانِ مَعْنَى " الظُّهُورِ "، وَإِلَّا فَلَا . وَمَعْنَى " الظُّهُورِ " الْمَأْخُوذُ فِي حَدِّ الدَّارَيْنِ ، إِنْ فُسِّرَ بِالْغَلَبَةِ وَالشَّوْكَةِ " عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَكْثَرِ " ، فَلَا يَصْدُقُ حَدُّ " دَارِ الْحَرْبِ " بِهَذَا الْمَعْنَى ، إِلَّا عَلَى بِلَادِ الْحَبَشَةِ ، وَأَوْطَانِ الْإِفْرِنْجِ ، وَنَحْوِهِمْ مِنْ طَوَائِفِ الْكُفْرِ وَعُبَّادِ الْأَوْثَانِ ، وَبَعْضِ الدِّيَارِ الْهِنْدِيَّةِ . فَهَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ : " دَارُ حَرْبٍ " ، بِلَا تَرَدُّدٍ وَلَا شُبْهَةٍ . لِلْغَلَبَةِ وَالشَّوْكَةِ وَالْحُكْمِ. وَأَمَّا الْأَقْطَارُ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ ، وَغَلَبُوا عَلَيْهَا مُنْذُ الْفُتُوحَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ ، أَيَّامَ الدَّوْلَتَيْنِ الْأُمَوِيَّةِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ وَهَلُمَّ جَرَّا ، فَبَعْدَ ظُهُورِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ بِهَذَا الْمَعْنَى ، فَهِيَ دَارُ إِسْلَامٍ . إِذِ الْأَصْلُ فِي كُلِّ قُطْرٍ مِنْ أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ (بَعْدَ ظُهُورِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ) : الْإِسْلَامُ . وَمَا كُنَّا مِنْ إِسْلَامِ أَهْلِهِ " مِنَ الْبِقَاعِ " عَلَى يَقِينٍ ، فَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ . فَمَتَى عَلِمْنَا عِلْمًا يَقِينِيًّا ضَرُورِيًّا بِالْمُشَاهَدَةِ ، أَوِ السَّمَاعِ تَوَاتُرًا : أَنَّ الْكُفَّارَ اسْتَوْلَوْا عَلَى بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ الْإِسْلَامِ الَّتِي تَلِيهِمْ ، وَغَلَبُوا عَلَيْهَا وَقَهَرُوا أَهْلَهَا ، بِحَيْثُ لَا يَتِمُّ لَهُمْ إِبْرَازُ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِجِوَارٍ مِنَ الْكُفَّارِ : صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ ، وَإِنْ أُقِيمَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ . وَبِهَذَا يَظْهَرُ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ " : أَنَّ الْخِلَافَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، يَعُودُ إِلَى الْوِفَاقِ . أَوْ أَنَّهَا مَادَّةُ اجْتِمَاعِ بَيْنِهِمْ . لِأَنَّ الْأَكْثَرِينَ يَعْتَبِرُونَ فِي حَقِيقَةِ " دَارِ الْحَرْبِ " : ظُهُورَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ ، بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ . وَلَا يُنَافِيهِ ظُهُورُ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ . أَعْنِي : مُطْلَقَ الظُّهُورِ . وَآخَرُونَ يَعْتَبِرُونَ ظُهُورَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، مَعَ الْمُتَاخَمَةِ لِبِلَادِ الْكُفْرِ . وَقَدِ اجْتَمَعَ الشَّرْطَانِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ ، فَصَارَ مَا هَذَا حَالُهُ : دَارَ حَرْبٍ اتِّفَاقًا . وَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ " دَارِ حَرْبٍ " ، عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا بِهِ مَعَ الْمُتَاخِمَةِ . وَلَا ظُهُورَ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ ، فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الْمُتَاخِمِ لِبُلْدَانِ أَهْلِ الشِّرْكِ . فَلَا " دَارَ حَرْبٍ " فِي دَارِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ : لِغَيْرِ الْمُتَاخِمِ لِبَلَدِ أَهْلِ الشِّرْكِ . وَإِنِ اخْتَلَّتْ فِيهَا أَحَدُ الْأَرْكَانِ ، أَوْ وُجِدَتْ فِيهَا كَلِمَةُ " الْكُفْرِ " بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ ، فَهُمْ إِمَّا " فُسَّاقٌ "، إِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى تَرْكِ الشَّرَائِعِ تَقَاعُدًا ، مَعَ الْإِقْرَارِ بِوُجُوبِهَا . أَوْ مُرْتَدُّونَ ، إِنْ تَرَكُوهَا إِنْكَارًا وَجُحُودًا ، أَوْ رَدًّا لَهَا . لِسَبْقِ مَعْرِفَتِهِمْ لِلصَّانِعِ، وَإِقْرَارِهِمْ بِالشَّرَائِعِ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ تِلْكَ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ الصَّادِرَةَ عَنْهُمْ : مَوْضُوعَةٌ لِلْكُفْرِ ، مُوجِبَةٌ لَهُ . لَا لَوْ جَهِلُوا . فَلَا رِدَّةَ بِصُدُورِهَا عَنْهُمْ . ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ . وَعَلَّلَ عَدَمَ كُفْرِ مَنْ هَذَا حَالُهُ ، بِكَوْنِهِ لَمْ يَشْرَحْ بِالْكُفْرِ صَدْرًا . وَهُوَ شَرْطٌ . وَبِمَا حَرَّرْنَاهُ تَبَيَّنَ لَكَ : أَنَّ "عَدَنَ" وَمَا وَالَاهَا مَثَلًا ، إِنْ ظَهَرَتْ فِيهَا الشَّهَادَتَانِ وَالصَّلَوَاتُ ، وَلَوْ ظَهَرَتْ فِيهَا الْخِصَالُ الْكُفْرِيَّةُ بِغَيْرِ جِوَارٍ ، فَهِيَ دَارُ الْإِسْلَامِ . وَإِلَّا ، فَدَارُ الْحَرْبِ . وَكَذَا سَائِرُ بِلَادِ الْهِنْدِ وَمَا وَالَاهَا . الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. هَذَا مَا بَلَغَ إِلَيْهِ الْعِلْمُ. هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي ، الْعَلَّامَةُ : حَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَاكِشٌ " رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى "، فِي " إِيضَاحِ الدَّلَائِلِ ، بِجَوَابِ السِّتِّ الْمَسَائِلِ " . وَالَّذِي تَحَصَّلَ عِنْدِي مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ : أَنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ : بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامِة ; إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ وَشَرَائِعِ الْمِلَّةِ وَشِعَارِهَا ، وَقَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا إِلَيْهَا ، وَحَصَلَ الْأَمْنُ هُنَاكَ وَإِذْ لَيْسَ ، فَلَيْسَ . وَلَيْسَ الْيَوْمَ فِي الدُّنْيَا دَارٌ خَالِيَةٌ عَنِ الْفِسْقِ . وَالْفِسْقُ لَا يُخْرِجُ الدَّارَ عَنْ كَوْنِهَا دَارَ الْإِسْلَامِ ، حَتَّى إِنَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ فِيهِمَا مِنَ الْفِسْقِ مَا يَعْسُرُ تَعْدَادُهُ . بَلْ لَيْسَ فِيهِمَا أَمْنٌ لِمُتَّبِعٍ) وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ الْكَامِلِ . وَالَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ هُنَاكَ عَلَى ذَلِكَ ، يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْبِلَادِ الَّتِي كَانَتْ إِسْلَامِيَّةً ، ثُمَّ صَارَتْ فِي أَيْدِي الْوُلَاةِ الْكُفَّارِ بِالْجُمْلَةِ . فَقَدِ اسْتَوَتْ حَالَةُ الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانِ ، فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ . وَالْأَمْصَارُ سَوَاسِيَةٌ فِي غُرْبَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ . فَاسْتَشْكَلَ الْأَمْرُ ، وَصَعُبَتِ الْمَسْأَلَةُ ، وَصَارَتْ مِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ . وَمَنِ اتَّقَى الشُّبَهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ . وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ .

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية