الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما لحم الخيل فأكلها حلال ، قال الشافعي : لا كل ما لزمه اسم الخيل من العراب والمقاديف والبراذين ، فأكلها حلال .

                                                                                                                                            وبه قال أبو يوسف وأحمد ومحمد وإسحاق ، وقال مالك : كلها حرام .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : مكروه ، احتجاجا بقوله تعالى : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة [ النحل : 8 ] . فكان في تحريم أكلها دليل من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : تخصيص منفعتها بالركوب والزينة ، فدل على تحريم ما عداه .

                                                                                                                                            والثاني : ضمها إلى ما حرم أكله من الحمير ، وبرواية خالد بن الوليد ، قال : خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر ، فأتته اليهود ، فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها ، وحرام عليكم حمر الأهلية وخيلها وبغالها .

                                                                                                                                            وهذا نص قالوا : ولأنه ذو حافر أهلي ، فوجب أن يحرم أكله كالحمير ، ولأنه حيوان يسهم له ، فوجب أن لا يحل أكله كالآدميين .

                                                                                                                                            ودليلنا : ما رواه الشافعي ، عن سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر ، قال : أطعمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الخيل ، ونهانا عن لحوم الحمير وهذا نص .

                                                                                                                                            [ ص: 143 ] وروى الشافعي ، عن سفيان ، عن هاشم بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء بنت أبي بكر ، قالت : نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه .

                                                                                                                                            ولأنها بهيمة لا تنجس بالذبح ، فلم يحرم أكلها كالنعم .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن الآية فمن وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن تعيين بعض منافعها بالذكر لا يدل على ما عداه ، كما لا يحرم البيع والشراء .

                                                                                                                                            والثاني : أنه خص الركوب في الخيل ، ولحوم الخيل ليست بخيل ، وليس جمعه بينها وبين الحمير موجبا لتساويهما في التحريم ، كما لم يتساويا في السهم من المغنم . وأما الجواب في الخبر فمن وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : ضعف الحديث ، لأن الواقدي حكى أن خالد بن الوليد أسلم بعد فتح خيبر .

                                                                                                                                            والثاني : أنه حرم أخذها من أهلها بالعهد ولم يرد تحريم اللحم .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن القياسين فمن وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنهما يدفعان النص فأطرحا .

                                                                                                                                            والثاني : أن العرف لما جرى بأكل الخيل ، ولم يجر عرف بأكل الآدميين والحمير فافترقا في الحكم ، وامتنع الجمع بينهما في التحريم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية