الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإن تفاضلا في الإصابة لم يخل تفاضلهما فيها من ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : أن يفضل ، ولا ينضل بما فضل ، وهو أن يشترطا إصابة خمسة من عشرين محاطة ، فيصيب أحدهما عشرة أسهم ، ويصيب الآخر ستة أسهم ، فتحط الستة من العشرة ، فيكون الباقي منها أربعة فلا ينضل ؛ لأن شرط الإصابة خمسة ، وهكذا لو أصاب أحدهما خمسة عشر ، وأصاب الآخر أحد عشر لم ينضل الفاضل ، لأن الباقي له [ ص: 206 ] بعد الحط أربعة ثم على هذه العبرة إذا كان الباقي أقل من خمسة .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن ينضل بما فضل بعد استيفاء الرشق ، وهو أن يصيب أحدهما خمسة عشر من عشرين ، ويصيب الآخر عشرة من عشرين ، فينضل الفاضل ؛ لأنها إذا أسقطت من إصابته عشرة كان الباقي بعدها خمسة ، وهو عدد النضل ، وهكذا لو أصاب أحدهما عشرة ، وأصاب الآخر خمسة كان الفاضل ناضلا ؛ لأنه إذا أسقطت الخمسة من إصابته كان الباقي بعدها خمسة ، وهو عدد النضل ، وهكذا لو كان الباقي بعد الحط أكثر من خمسة ، ثم على هذه العبرة .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : أن ينضل بما فضل قبل استيفاء الرشق ، وهو أن يصيب أحدهما عشرة من خمسة عشر ، ويصيب الآخر خمسة من خمسة عشر ، ويكون الباقي من الأكثر خمسة هي عدد النضل ، فهل يستقر النضال بهذا قبل استيفاء الرشق أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : يستقر النضل ويسقط باقي الرشق ؛ لأن مقصوده معرفة الأحذق ، وقد عرف .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : - وهو الأظهر - أنه لا يستقر النضل بهذه المبادرة إلى العدد حتى يرميا بقية الرشق ؛ لأن العقد قد تضمنها ، وقد يجوز أن يصيب المفضول جميعها أو أكثرها ويخطئ الفاضل جميعها أو أكثرها .

                                                                                                                                            وعلى هذا يكون التفريع ، فإذا رميا بقية الرشق ، وهو الخمسة الباقية ، فإن أصاب المفضول جميعها أو أخطأ الفاضل جميعها ، فقد استويا ولم ينضل واحد منهما : لأن إصابة كل واحد منهما عشرة ، وإن أصاب الفاضل ، وأخطأ المفضول جميعها استقر فضل الفاضل ؛ لأنه أصاب خمسة عشر من عشرين ، وأصاب المفضول خمسة من عشرين ، فكان الباقي بعد الحط عشرة ، هي أكثر من شرطه ، فلو أصاب الفاضل من الخمسة الباقية سهما ، وأصاب المفضول سهمين لم يفضل الفاضل ؛ لأن عدد إصابته أحد عشر سهما ، وعدد إصابة المفضول سبعة إذا حطت من تلك الإصابة كان الباقي أربعة ، والشرط أن تكون خمسة ، فلذلك لم ينضل وإن فضل ، فلو أصاب الفاضل سهمين ، والمفضول سهمين صار الفاضل ناضلا ؛ لأنه أصاب اثني عشر ، وأصاب المفضول سبعة ليبقى للفاضل بعد الحط خمسة .

                                                                                                                                            ولو أصاب أحدهما سبعة من عشرة ، وأصاب الآخر سهمين من عشرة ، فإذا رميا بقية السهام فإن أصاب المفضول جميعها ، وأخطأ الفاضل جميعها صار الأول ناضلا والثاني منضولا : لأن الأول له سبعة ، والثاني له اثنا عشر يبقى له بعد الحط خمسة ، ولو أصاب الأول جميعها ، وأصاب الثاني جميعها كان الأول ناضلا : لأن إصابته سبعة عشر [ ص: 207 ] وإصابة الثاني اثنا عشر ، فإن أخطأ الأول في سهم من بقية الرشق لم يفضل ولم ينضل ، ولو أصاب اثني عشر من خمسة عشر ، وأصاب الآخر سهمين من خمسة عشر استقر النضل ، وسقط بقية الرشق وجها واحدا ؛ لأن المفضول لو أصاب جميع الخمسة الباقية في الرشق حتى استكمل بما تقدم سبعة كان منضولا ؛ لأن الباقي للفاضل بعد حطها خمسة ، فلم يستفد ببقية الرمي أن يدفع عن نفسه النضل ، فسقط ، ثم على هذه العبرة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية