الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : والوجه الثاني : وهو الظاهر من مذهب الشافعي على قوله أكثر أصحابه .

                                                                                                                                            وقيل : إنه قول أبي إسحاق المروزي ، وإن لم أره في شرحه ، أن قيمته في حق كل واحد منهما معتبرة بحال جنايته وجراحة كل واحد منهما ، قد سرى نصفها إلى ما دخل في ضمان ، فسقط اعتباره وسرى نصفها إلى ما دخل في ضمان غيره ، فوجب اعتباره : لأنها لو سرت في حقه إلى جميع النفس سقطت ، ولو لم تسر في حقه إلى شيء من النفس وجبت ، فوجب إذا سرت في حقه إلى نصف النفس أن يسقط نصف الأرش ويجب نصف الأرض مضمونا إلى نصف القيمة وقت جنايته ، ويتحمل الثاني عن الأول نصف الأرش كما تحمل عنه نصف النفس .

                                                                                                                                            وبيانه : أن نقول جرحه الأول ، وقيمته عشرة دراهم ، وأرش جراحته درهم ، فوجب عليه نصف العشرة ، وهي خمسة ونصف الأرش وهو نصف درهم يتحمله عنه الثاني ، ثم جرحه الثاني ، وقيمته تسعة دراهم وأرش جراحته درهم ، فوجب عليه نصف قيمته أربعة دراهم ، ونصف أرش جراحته ، وهو نصف درهم يتحمله عن الأول ، فيصير عليه خمسة دراهم ، وعلى الأولى : خمسة دراهم ، فيصير هذا موافقا لقول المزني في الجواب ، ومخالفا له في التعليل : ليكون سليما على الأصول ، فعلى هذا لو كان أرش جراحة الأول درهما ، وأرش جراحة الثاني ثلاثة دراهم كان على الأول نصف العشرة ، وهي خمسة ، ونصف أرش جراحته وهو نصف درهم ، وجرحه الثاني ، وقيمته تسعة دراهم ، فعليه نصفها أربعة دراهم ونصف ، وعليه نصف أرش جراحته : وهو درهم ونصف تحملها عن الأولى ، فصار عليه ستة دراهم ، وبقي على الأول أربعة دراهم ، وعلى هذا لو كان أرش جراحة الأولى ثلاثة دراهم ، وأرش جراحة الثاني درهما ، كان على الأول نصف قيمته ، وهي خمسة دراهم ، ونصف أرش جنايته ، وهو درهم ونصف ، يصير عليه ستة دراهم ونصف ، وجرحه الثاني وقيمته سبعة دراهم عليه نصفها [ ص: 36 ] ثلاثة دراهم ونصف ، ونصف أرش جراحة ، وهي نصف درهم يتحمله عن الأول ، فيصير على الثاني أربعة دراهم ، وبقي على الأول ستة دراهم ، ثم على هذا القياس ، فيكون الوجهان متفقين في الجواب مختلفين في التعليل .

                                                                                                                                            واختلف من قال بهذا الوجه فيما يحمله الثاني عن الأول من نصف الأرش : هي يكون في ضمان الأول حتى يؤخذ من الثاني ؟ أو يكون ساقطا عنه بضمان الثاني ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه يكون في ضمانه حتى يؤخذ من الثاني كالغاصب إذا غصب عبدا ، فجرحه آخر في يده كان أرش الجراح من ضمانه وضمان غاصبه ، كذلك هاهنا ، فعلى هذا يكون مالك العبد مخيرا في أخذ نصف أرش جراحة الثاني في الأول أو الثاني ، فإن أخذه من الأول رجع به الأول على الثاني ، وإن أخذه من الثاني لم يرجع به على الأول .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو أصح أنه يسقط عن الأول بضمان الثاني كما سقط عنه نصف القيمة بضمان الثاني ، فلا يستحق مالك الصيد مطالبة الأول به ، ويستحقه على الثاني مع نصف القيمة .

                                                                                                                                            فإن قيل : فهلا كان اعتبار قيمة الصيد في حق الجارحين سواء ، فتكون القيمة قبل الجراحتين بينهما نصفين بالسوية ، كالحر إذا جرحه اثنان ، فمات كانت الدية عليها بالسوية نصفين ، ولم يكن ما على الثاني منهما أقل مما على الأول .

                                                                                                                                            قيل : لأن دية الحر بعد الجناية كديته قبلها ، وقيمة العبد بعد الجناية أقل من قيمته قبلها ، ألا تراه لو قتل حرا مقطوع اليد كانت عليه دية من ليس بأقطع ؟ ولو قتل عبدا مقطوع اليد كانت عليه قيمة عبد أقطع ؟ فهذا حكم الوجه الثاني .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية