الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

889 [ ص: 48 ] [ ص: 49 ] [ ص: 50 ] ( 56 ) باب تقديم النساء والصبيان

843 - مالك ، عن نافع ، عن سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر أن أباهما عبد الله بن عمر كان يقدم أهله وصبيانه من المزدلفة إلى منى ، حتى يصلوا الصبح بمنى . ويرموا قبل أن يأتي الناس .

844 - مالك ، عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أن مولاة لأسماء بنت أبي بكر أخبرته قالت : جئنا مع أسماء ابنة أبي بكر منى بغلس . قالت فقلت لها : لقد جئنا منى بغلس فقالت : قد كنا نصنع ذلك مع من هو خير منك .

[ ص: 51 ] 845 - مالك أنه بلغه : أن طلحة بن عبيد كان يقدم نساءه وصبيانه من المزدلفة إلى منى .

846 - مالك أنه سمع بعض أهل العلم يكره رمي الجمرة حتى يطلع الفجر من يوم النحر . ومن رمى فقد حل له النحر .

847 - مالك ، عن هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر أخبرته : أنها كانت ترى أسماء بنت أبي بكر بالمزدلفة . تأمر الذي يصلي لها ولأصحابها الصبح ، يصلي لهم الصبح حين يطلع الفجر . ثم تركب فتسير إلى منى . ولا تقف .

التالي السابق


18029 - قال أبو عمر : جملة القول في هذا الباب أن حديثه عن نافع عن سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر - الحديث الأول - إنما أخذ ابن عمر فعله ذلك من السنة التي رواها هو وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

18030 - ذكر عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لضعفاء الناس من جمع بليل .

18031 - قال : وأخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن سالم : أن ابن عمر كان يقدم ضعفة أهله يقفون عند المشعر الحرام بليل ، فيذكرون الله ما بدا لهم ، يدفعون منهم من يأتي منى لصلاة الصبح ، ومنهم من يأتي بعد ذلك وأولهم [ ص: 52 ] ضعفاء أهله ، ويقول : أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك .

18032 - قال : وأخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن نافع قال : بعثني ابن عمر في ضعفة أهله فرمينا الجمرة قبل أن يأتينا الناس .

18033 - قال : وأخبرنا ابن عيينة ، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال : سمعت ابن عباس يقول : كنت ممن قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ضعفة أهله في التعجل من المزدلفة إلى منى .

18034 - وروي عن عطاء ، وعكرمة ، عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره في ضعفة بني هاشم وصبيانهم أن يتعجلوا من جمع بليل .

[ ص: 53 ] 18035 - قال أبو عمر : المبيت بجمع ليلة النحر سنة مسنونة مجتمع عليها ، إلا أن هذه الأحاديث وما كان مثلها يدل على أن ذلك إنما هو في أكثر الليل ، وأنه قد رخص أن لا يصبح البائت فيها وأن له أن يصبح بمنى ، على أن الفضل عند الجميع المبيت بها حتى يصلي الصبح ، ثم يرفع قبل طلوع الشمس لا يختلفون في ذلك ولا في أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل كذلك .

18036 - ولم يختلفوا أنه من لم يبت بجمع ليلة النحر عليه دم ، وأنه لا يسقط الدم عنه وقوفه بها ولا مروره عليها .

18037 - وقد قالت طائفة منهم مجاهد : أنه من أفاض من جمع قبل الإمام - وإن بات بها - أن عليه دما .

18038 - قال أبو عمر : أظنهم لم يسمعوا بهذه الآثار ، والله أعلم .

18039 - وروى معمر ، عن أيوب ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن [ ص: 54 ] أبيه ، عن عائشة ، قالت : كانت سودة بنت زمعة امرأة ثقيلة ثبطة فأستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن تدلج من جمع ، فأذن لها . قالت عائشة : وددت أني كنت استأذنته .

18040 - وكانت تقول : ليس الإدلاج من المزدلفة إلا لمن أذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . 18041 - ومعمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : المشعر الحرام المزدلفة كلها .

18042 - وروى الثوري ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء قال : الرحيل [ ص: 55 ] من جمع إذا غاب القمر .

18043 - قال أبو عمر : مغيبه ليلة النحر معلوم .

18044 - وابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، وعن أبي العباس الأعمى ، عن عبد الله بن عمرو قال : إنما جمع منزل تدلج منه إذا شئت .

18045 - قال معمر : وأخبرني هشام بن عروة ، عن أبيه قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة أن تصبح بمكة يوم النحر ، وكان يومها .

18046 - قال أبو عمر : اختلف على هشام في هذا الحديث فروته طائفة عن هشام ، عن أبيه مرسلا كما رواه معمر .

18047 - ورواه آخرون عن هشام ، عن أبيه عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أم سلمة بذلك ، مسندا .

18048 - ورواه آخرون ، عن هشام ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة ، [ ص: 56 ] عن أم سلمة أيضا .

18049 - وكلهم ثقات من رواة هشام .

18050 - وهذا الحديث خلاف لسائر الأحاديث ؛ لأن في غيره من الأحاديث الإدلاج من جمع إلى منى ، وصلاة الصبح بها ، وأقصى ما في ذلك رمي الجمرة قبل طلوع الشمس وبعد الفجر . [ ص: 57 ] 18051 - ويدل حديث أم سلمة على أن رمي الجمرة بمنى قبل الفجر ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تصبح بمكة يوم النحر ، وهذا لا يكون إلا وقد رميت الجمرة بمنى ليلا قبل الفجر ، والله أعلم .



18052 - وأجمع العلماء على أن النبي ( عليه السلام ) وقف بالمشعر الحرام بعدما صلى الفجر ، ثم دفع قبل طلوع الشمس .

[ ص: 58 ] 18053 - ونقل ذلك أيضا الآحاد العدول .

18054 - أخبرنا عبد الله قال : حدثني محمد قال : حدثني أبو داود قال : حدثني محمد بن كثير قال : أخبرنا سفيان ، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال : قال عمر : كان أهل الجاهلية لا يفيضون - يعني من جمع - حتى يروا الشمس على ثبير . قال فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فدفع قبل طلوع الشمس .

18055 - وروى ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن محمد بن قيس بن مخرمة ، وعن ابن طاوس ، عن أبيه : أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة [ ص: 59 ] قبل غروب الشمس . وكانوا يدفعون من المزدلفة قبل طلوع الشمس ، فأخر رسول الله - صلي الله عليه وسلم - هذا وعجل هذا : أخر الدفع من عرفة ، وعجل الدفع من المزدلفة مخالفا لهذا هدي المشركين .

18056 - وأجمعوا أن الشمس إذا طلعت يوم النحر فقد فات وقت الوقوف بجمع ، وأن من أدرك الوقوف بها قبل طلوع الشمس فقد أدرك . فمن قال إنها فرض ، ومن يقول : إنها سنة . وقد أوضحنا ذلك فيما مضى ، والحمد لله .

18057 - وأجمعوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمى يوم النحر في حجته : جمرة العقبة بمنى يوم النحر بعد طلوع الشمس .

18058 - وأجمعوا على أن من رماها ذلك اليوم بعد طلوع الشمس إلى زوالها فقد رماها في وقتها .

18059 - وأجمعوا أن رسول الله - صلى عليه وسلم - لم يرم يوم النحر من الجمرات غيرها .

18060 - واختلفوا فيمن رماها قبل طلوع الفجر .

[ ص: 60 ] 18061 - فقال : لم يبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص لأحد يرمي قبل أن يطلع الفجر ، ولا يجوز رميها قبل الفجر ، فإن رماها قبل الفجر أعادها .

18062 - وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز رميها قبل الفجر .

18063 - وبه قال أحمد ، وإسحاق .

18064 - وقال الشافعي : وقت رمي جمرة العقبة الذي أحبه بعد طلوع الشمس ، ولا أكرهه قبل الفجر .

18065 - وهو قول عطاء وعكرمة .

18066 - وقال سفيان الثوري : لا يجوز لأحد أن يرمي قبل طلوع الشمس .

18067 - وهو قول إبراهيم النخعي .

18068 - وقال أبو ثور : لا يجوز الرمي حتى تطلع الشمس إن كان فيه خلاف وأجمعوا ، أو كانت فيه سنة أجزأه .

[ ص: 61 ] 18069 - قال أبو عمر : أما قول الثوري ومن تابعه فحجته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمى الجمرة بعد طلوع الشمس ، وقال : " خذوا عني مناسككم " .

18070 - وروى الحسن العرني ، وعطاء ، ومقسم ، كلهم عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم أغيلمة بني عبد المطلب وضعفتهم ، وقال لهم : " أبيني ، لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " .

[ ص: 62 ] 18071 - أخبرنا سعيد قال : حدثني قاسم قال : حدثني محمد قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا وكيع عن المسعودي ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم ضعفة أهله ، وقال : " لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " .

18072 - ومن أجاز رميها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس فقد تقدم في الباب من الآثار ما يدل على ذلك .

18073 - ومن حديث ابن أبي ذئب قال : حدثني سعيد ، عن ابن عباس ، قال : بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أهله وأمرني أن أرمي الجمرة بعد الفجر .

18074 - وأما من جوز رميها قبل الفجر فحجته حديث أم سلمة المتقدم ذكره .

18075 - حدثني عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثني أبو داود قال : حدثني هارون بن عبد الله قال : حدثني ابن أبي فديك ، [ ص: 63 ] عن الضحاك بن عثمان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أنها قالت : أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأم سلمة ليلة النحر قبل الفجر ، ثم مضت فأفاضت ، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني عندها .

18076 - وأخبرنا أحمد بن محمد قال : حدثني أحمد بن الفضل قال : حدثني محمد بن جرير ، قال : حدثني أبو كريب قال : حدثني أبو معاوية ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة ، عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن توافي مكة صلاة الصبح يوم النحر .

18077 - قالوا : فلم تكن لتوافي مكة لصلاة الصبح يوم النحر للطواف إلا وقد رمت الجمرة بليل قبل ذلك .

18078 - وأخبرنا عبد الله قال : حدثني محمد قال : حدثني أبو داود قال : حدثني محمد بن خلاد الباهلي قال : حدثني يحيى ، عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء قال : أخبرني مخبر ، عن أسماء أنها رمت الجمرة . قلت : إنا رمينا الجمرة بليل . قالت : إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 64 ] 18079 - وقد عارض بعض أصحابنا هذا الحديث عن أسماء بحديث مالك في حديث هذا الباب عن هشام بن عروة ، عن فاطمة بنت المنذر أنها كانت ترى أسماء بالمزدلفة تأمر الذي يصلي لها الصبح ولأصحابها يصلي لهم حين يطلع الفجر ، ثم تركب فتسير إلى منى ولا تقف .

18080 - وهذا لا معارضة فيه ، ولا يدفع بحديث أسماء المسند لأنه مباح لأسماء ولغيرها أن يفعل ما في حديث مالك هذا ، بل هو الأفضل المستحب عند الجميع .

18081 - وأما الكلام فيمن فعل ذلك ورمى بليل فإنما يكون معارضا لو كانت الحجة لهم واحدة .

18082 - واختلفت الحكاية ، عن أسماء فيها ، فأما إذا جاز أن تكون حجتين وأمكن ذلك فلا معارضة هنالك ، وبالله التوفيق .

18083 - وأجمعوا على أن الاختيار في رمي جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى زوالها .

18084 - وأجمعوا أنه إن رماها قبل غروب الشمس من يوم النحر فقد جزا عنه ، ولا شيء عليه إلا مالكا فإنه قال : أستحب له إن ترك رمي الجمرة حتى أمسى أن يهريق دما يجيء به من الحل .

[ ص: 65 ] 18085 - واختلفوا فيمن لم يرمها حتى غابت الشمس فرماها من الليل أو من الغد .

18086 - فقال مالك : عليه دم .

18087 - وقال أبو حنيفة : إن رماها من الليل فلا شيء عليه ، وإن أخرها إلى الغد فعليه دم .

18088 - وقال أبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي : إن رمى جمرة العقبة إلى الليل أو إلى الغد رمى ولا شيء عليه .

18089 - وهو قول أبي ثور .

18090 - وحجتهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص لرعاء الإبل في مثل ذلك وما كان ليرخص لهم فيما لا يجوز .

18091 - وفي حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت للرمي وقتا وهو يوم النحر ، فمن رمى بعد غروب الشمس فقد رماها بعد خروجها ، ومن فعل شيئا في الحج بعد وقته فعليه دم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث