الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الواجب على الغاصب

( وإذا ) غصب الرجل جارية تساوي ألف درهم فازدادت عنده فالزيادة نوعان منفصلة متولدة [ ص: 54 ] منها كالولد والعقر ، ومتصلة كالسمن وانجلاء البياض عن العين ، وفي الكتاب بدأ ببيان الزيادة المتصلة ، ولكن الأولى أن يبدأ ببيان الزيادة المنفصلة فيقول : هذه الزيادة تحدث أمانة في يده عندنا حتى لو هلكت من غير صنعه لم يضمن قيمتها عندنا .

( وقال ) الشافعي رحمه الله تعالى تحدث مضمونة ; لأنها لما تولدت من أصل مضمون بيد متعدية فتحدث مضمونة كزوائد الصيد المخرج من الحرم ، وهذا لأن المتولد من الأصل يكون بصفة الأصل ، والأصل مضمون عليه فكذلك ما تولد منه ، ألا ترى أن الزيادة مملوكة للمغصوب منه كالأصل . ( ثم ) له في بيان المذهب طريقان :

( أحدهما ) أن الزيادة مغصوبة بمباشرة من الغاصب ; لأن حد الغصب الاستيلاء على مال الغير بإثبات اليد لنفسه بغير حق ، وقد كانوا في الجاهلية يتملكون بهذه اليد ، ويسمونه غصبا ، فالشرع أبطل حكم الملك بها في كل محترم ، وأثبت الضمان ، وبقي حكم الملك بها في كل مباح كالصيد ، ثم إنما يملك الصيد بإثبات اليد عليه فكذلك يجب الضمان بإثبات اليد عليه ، وهو مثبت يده على الولد حتى لو نازعه فيه إنسان كان القول قوله .

( والثاني ) هو أنه غاصب للولد تسبيبا ، فإن غصب الأم وإمساكها إلى وقت الولادة سبب لحصول الولد في يده وهو معتاد ; لأن أصحاب السوائم يمسكون الأمهات لتحصيل الأولاد ، وهذا تسبيب هو فيه متعد فينزل منزلة المباشرة ; لأن المال يضمن بالإتلاف تارة وبالغصب أخرى ، وفي الإتلاف المسبب إذا كان متعديا يجعل كالمباشر في حكم الضمان كحفر البئر ووضع الحجر في الطريق فكذلك في الغصب . وحجتنا في ذلك أن وجوب ضمان الغصب لا يكون إلا باعتبار تحقق الغصب ; لأنه سبب ; ولهذا يضاف إليه الحكم ، ولا يثبت بدون السبب ، ولم يوجد الغصب في الزيادة تسبيبا ولا مباشرة ; لأن حد الغصب الموجب للضمان الاستيلاء على مال الغير بإثبات اليد لنفسه على وجه تكون يده مفوتا ليد المالك ; لأن الضمان واجب بطريق الجبران ، فلا يجب إلا بتفويت شيء عليه ، وليس في الغصب تفويت العين ، فعرفنا أن وجوب الضمان باعتبار تفويت اليد عليه ، وذلك غير موجود في الولد ; لأن التفويت بإزالة يده عما كان في يده أو بإزالة تمكنه من أخذ ما لم يكن في يده ، وما كان الولد في يد المالك قط ، ولا زال تمكنه من أخذه لحصوله في دار الغاصب ما لم يمنعه الغاصب منه ، فلا يكون مضمونا عليه لانعدام سبب الضمان حتى يطالبه بالرد ، فإذا منعه يتحقق التفويت بقصر يده عنه بالمنع ، فيكون مضمونا عليه كالثوب إذا هبت [ ص: 55 ] به الريح وألقته في حجره ، وهذا بخلاف الاستيلاء الموجب للملك ; لأن الملك حكم مقصود على المحل فيتم سببه بإثبات اليد على المحل ، والضمان جبران لحق المالك ، فلا يتم سببه إلا بتفويت شيء عليه ، وبخلاف ضمان صيد الحرم ; لأن ذلك ضمان إتلاف معنى الصيدية فيه ، فإنه بالحرم أمن الصيد ، ومعنى الصيدية في تنفيره واستيحاشه وبعده عن الأيدي ، فإثبات اليد عليه يكون إتلافا لمعنى الصيدية فيه حكما ، وقد تحقق ذلك في الولد بإثبات اليد عليه .

فأما الأموال فمحفوظة بالأيدي ، فلا يكون إثبات اليد على المال إتلافا لشيء على المالك .

يوضح الفرق أن الحق في صيد الحرم للشرع ، والشرع يطالبه برد الأصل مع ولده إلى مأمنه ، فإنما وجد المنع منه بعد الطلب ، وذلك سبب الضمان . وعلى هذا الطريق يقول : إذا هلك الولد قبل تمكنه من الرد إلى الحرم لا يضمن ، وعلى الطريق الأول هو ضامن ، ولا وجه لإثبات حكم الضمان في الزيادة بتولدها من الأصل المضمون ; لأن الضمان ليس في العين بل هو في ذمة الغاصب ، وإنما توصف العين به مجازا . كما يقال : فلان مغصوب عليه ، والغصب صفة للغاصب بخلاف الملك ; لأنه وصف للمحل ، فإنه يوصف بأنه مملوكه حقيقة فيتعدى ذلك إلى الولد ، وإن باع الغاصب الولد وسلمه أو أتلفه فهو ضامن لقيمته لوجود التعدي منه على الأمانة كما لو باع المودع الوديعة .

( فإن قيل : ) فليس في البيع والتسليم تفويت يد المالك في الولد . ( قلنا : ) بل فيه تفويت يده ; لأنه كان متمكنا من أخذه من الغاصب ، وقد زال ذلك ببيعه وتسليمه ، فلوجود التفويت من هذا الوجه يكون ضامنا ، فأما الزيادة المتصلة فهي أمانة في يد الغاصب عندنا حتى لو هلكت الجارية بعد الزيادة ضمن قيمتها وقت الغصب ، ولا يضمن الزيادة ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه مضمونة كالزيادة المنفصلة عنده ، ويزعم أن كلامه هنا أظهر ، فإن الزيادة تصير مغصوبة بالوقوع في يد الغاصب ، ولأن الزيادة لا تنفصل عن الأصل فمن ضرورة كون يده على الأصل يد غصب أن تكون على الزيادة يد غصب أيضا ، ولكنا نقول : سبب وجوب الضمان في الأصل ليس هو يد الغصب بل اليد الغاصبة ; لأن ليد الغصب حكم الغصب ، وإنما يحال بالضمان على أصل السبب لا على حكمه فأصل السبب اليد الغاصبة المفوتة ليد المالك ، ولم يوجد ذلك في الزيادة ، وإن منعها بعد الطلب ففي إحدى الروايتين الزيادة تصير مضمونة بالمنع ; لأن قصر يد المالك عنها يثبت بالمنع ، وفي الرواية الأخرى لا تصير مضمونة ; لأن المطالبة بالرد في حق الزيادة لا تتحقق منفردة عن الأصل إذ لا يتصور [ ص: 56 ] ردها بدون الأصل ، ولا معتبر بهذا المنع في حق الأصل ; لأن الأصل مضمون بدون هذا المنع فلهذا لا يضمن الزيادة المتصلة بالمنع بعد الطلب بخلاف الزيادة المنفصلة .

وعلى هذا الاختلاف لو ازدادت قيمتها من غير زيادة في بدنها ، ثم هلكت لم يضمن الغاصب إلا قيمتها وقت الغصب عندنا ، وعند الشافعي يضمن قيمتها وقت الهلاك ; لأن من أصله أن سبب الضمان إثبات اليد ، واليد مستدام ، والأصل أن ما يستدام فإنه يعطى لاستدامته حكم إنشائه ، فبهذا الطريق يصير كالمجدد للغصب عند الهلاك . وعندنا سبب وجوب الضمان تفويت يد المالك ، وذلك بابتداء الغصب فتعتبر قيمتها عند ذلك ، فإن باعها وسلمها بعد ما صارت قيمتها ألفين بالزيادة المتصلة فهلكت عند المشتري ، ثم جاء صاحبها فله الخيار إن شاء ضمن المشتري قيمتها يوم قبض العين ، وإن شاء ضمن الغاصب ; لأن المشتري متعد بقبضها لنفسه على طريق التملك ، وفي هذا القبض تفويت يد المالك حكما على ما بينا أنه كان متمكنا من استردادها من الغاصب ، وقد زال ذلك بقبض المشتري على طريق التملك لنفسه فيضمن قيمتها حال قبضه ، وذلك ألفا درهم بمنزلة ما لو غصبها غاصب من الأول بعد الزيادة ، فإن للمالك أن يضمن الغاصب الثاني قيمتها وقت غصبه . وفيه طريقان : أحدهما ما بينا ، والثاني أن المولى باختياره تضمين الغاصب الثاني يكون مبرئا للغاصب الأول ; ولهذا لا يكون له أن يضمنه بعد ذلك ، وبهذا الإبراء تصير يده يد المالك ، والغاصب الثاني مفوت لهذه اليد ، فإذا صارت كيد المالك كان هو ضامنا بتفويته يد المالك حكما ، فإن اختار تضمين البائع ، فإن شاء ضمنه قيمتها وقت الغصب ألف درهم ، وإن شاء ضمنه قيمتها وقت البيع والتسليم ألفي درهم ، ولم يذكر فيه خلافا في الكتاب .

( وروى ) الحسن عن أبي حنيفة ، وابن سماعة عن محمد عن أبي حنيفة رحمهم الله أنه ليس له أن يضمن الغاصب وقت البيع والتسليم قيمتها .

وجه ظاهر الرواية ، وهو قولهما أن الزيادة حصلت في يد الغاصب أمانة ، وقد تعدى عليها بالبيع والتسليم فيكون ضامنا لها بزيادتها كما لو كانت الزيادة منفصلة ، وكما لو قتلها بعد حدوث الزيادة ، ولأنه وجد من الغاصب سببان موجبان للضمان الغصب والتسليم بحكم البيع ، فللمالك أن يضمنه بأي الشيئين شاء كما لو قتلها بعد الغصب .

وتحقيق هذا أن البيع والتسليم استهلاك ، ألا ترى أن من ادعى عينا في يد إنسان فأقام البينة أن فلانا باعه وسلمه منه إليه ، فإن القاضي يقضي بالملك له ، كما لو شهدوا بالملك له ، فهو بالبيع والتسليم باشر سببا لو أثبته المشتري بالبينة قضى القاضي بالملك له فيكون ذلك استهلاكا [ ص: 57 ] للملك على المغصوب منه حكما ، والاستهلاك بعد الغصب يتحقق ، ويكون سببا للضمان كالاستهلاك بالقتل .

وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن ضمان البيع والتسليم ضمان غصب ، والغصب لا يتحقق في المغصوب لوجهين :

( أحدهما ) أن الغصب الموجب للضمان لا يكون إلا بتفويت يد المالك ، والتفويت بعد التفويت من واحد لا يتحقق .

( والثاني ) أن الأسباب مطلوبة لأحكامها ، وتكرار الغصب من واحد في محل واحد غير مفيد شيئا ، فلا يعتبر كتكرار البيع بثمن واحد ، وإنما قلنا : إن ضمان البيع والتسليم ضمان غصب ; لأن ملك المغصوب منه باق بعد بيع الغاصب كما بعد غصبه .

والاستهلاك إما أن يكون بتفويت العين حقيقة أو بتفويت الملك فيه حكما ، وذلك غير موجود . والدليل عليه أن الحر لا يضمن بالبيع والتسليم كما لا يضمن بالغصب ، والحر يضمن بالإتلاف ، وكذلك العقار عند أبي حنيفة وأبي يوسف آخرا رحمهما الله لا يضمن بالبيع والتسليم كما لا يضمن بالغصب ، وهو مضمون بالإتلاف .

( فإذا ) ثبتت هذه القاعدة فنقول : السبب الثاني لا يمكن اعتباره في الأصل لما قلنا : إن الغصب بعد الغصب لا يتحقق مع بقاء حكم الأول ، ولا وجه لإبطال حكم الضمان الثابت بالغصب الأول بفعل الغاصب ; لأن المسقط للضمان عنه نسخ فعله بإعادته إلى يد المالك لا اكتساب غصب آخر ، ولا وجه لاعتبار السبب الثاني في الزيادة ; لأن الزيادة تابعة للأصل ، فلا يثبت الحكم فيها إلا بثبوته في الأصل ، ولأن الزيادة المتصلة لا تفرد بالغصب ، فلا تفرد بضمان الغصب ، ولأنه لما ضمن الأصل بالغصب ملك الأصل بزيادته من ذلك الوقت فتبين أنه باع ملك نفسه ; ولهذا نفذ بيعه هنا ، وبيع ملك نفسه لا يكون موجبا للضمان عنه ، وهذا بخلاف ما إذا قتلها ; لأن ذاك ضمان إتلاف ، والزيادة تفرد بالإتلاف ، ولأن اعتبار السبب الثاني هناك مفيد في حق الأصل ; لأن الضمان بالقتل يجب مؤجلا على العاقلة وبالغصب يجب على الغاصب ، فيجب اعتبار السبب الثاني في حق الأصل لكونه مفيدا ، ثم يعتبر في حق الزيادة تبعا للأصل إلا أنه إذا ضمن الأصل بالقتل لا يملكها ; لأن ضمان القتل لا يوجب الملك ، فلا يتبين به أن الزيادة كانت مملوكة له ، ولم يذكر هنا أن المغصوبة لو كانت دابة فاستهلكها الغاصب بعد الزيادة المتصلة هل يضمن قيمتها زائدة ، ذكر في كتاب الرجوع عن الشهادات أنه يضمن قيمتها زائدة ، فظن بعض المحققين من أصحابنا رحمهم الله أن ذلك الجواب قولهم جميعا ، وجعل يفرق لأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الاستهلاك بعد الغصب يتحقق في الأصل [ ص: 58 ] فيكون موجبا للضمان ، وأما الغصب بعد الغصب فلا يتحقق .

قال رضي الله عنه : والأصح عندي أنه لا فرق في الفصلين عند أبي حنيفة رحمه الله ، فإنه كما لم يذكر الخلاف ثمة لم يذكر هنا قال : وقد رأيت في بعض النوادر بيان الخلاف في الشاة إذا ذبحها الغاصب وأكلها بعد الزيادة أنه لا يضمن قيمتها زائدة ، وهذا لما بينا أن السبب إنما يعتبر إذا كان مفيدا ، وحكم الاستهلاك في الدواب ، وحكم الغاصب سواء ; لأنه يوجب الضمان على المستهلك حالا ، ويملك المضمون به ، فالاستهلاك وإن تحقق ، فلا فائدة في اعتباره في حق الأصل بخلاف القتل في الآدمي ، فإن حكم ضمان القتل مخالف لحكم ضمان الغصب فكان اعتبار السبب الثاني مفيدا ، وهذا بخلاف صيد الحرم إذا باعها ، وسلمها بعد الزيادة ; لأنا نثبت بهذا الكلام أن البيع والتسليم لا يكون سببا للضمان بعد الغصب ، وهناك الزيادة كانت مضمونة عليه قبل هذا إلا أن تصير مضمونة بالبيع والتسليم ، وإن اختار المغصوب منه تضمين المشتري بطل البيع ، ورجع بالثمن على الغاصب ; لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العين ، ولأن ملك العين لم يسلم للمشتري بالبيع ، وإنما سلم له بضمان القيمة ، فلا يسلم الثمن للبائع أيضا ، فلهذا استرد الثمن من البائع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث