الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة ترد حصة من لم يوجد من أهل السهمان على من وجد منهم

مسألة : قال الشافعي : " فإن قال الجلد لست مكتسبا لما يغنيني ولا يغني عيالي وله عيال وليس عند الوالي يقين ما قال ؛ فالقول قوله ، واحتج بأن رجلين أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألاه من الصدقة فقال " إن شئتما ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب " . ( قال الشافعي ) رأى عليه الصلاة والسلام صحة وجلدا يشبه الاكتساب فأعلمهما أنه لا يصلح لهما مع الاكتساب ولم يعلم أمكتسبان أم لا ، فقال " إن شئتما " بعد أن أعلمتكما أن لا حظ فيها لغني ولا لمكتسب فعلت " .

قال الماوردي : وهذا صحيح إذا تقرر فرق ما بين الفقير والمسكين بما ذكرنا فخص رجل ادعى فقرا مسكنة فللوالي على الصدقة ثلاثة أحوال :

أحدها : أن يعلمه فقيرا فيدفع إليه لعلمه من سهم الفقراء ولا يكلفه ببينة ولا يمينا . والحال الثانية : أن يعلمه غنيا ، فلا يدفع إليه من سهم الفقراء شيئا ، فإن ادعى تلف ماله لم يقبل قوله إلا ببينة ، فإن أقامها على تلف ماله الذي كان به غنيا سمعها من شاهدين ، أو شاهد وامرأتين ، وسواء كانت بينته من أهل المعرفة الباطنة أم لا ، وإن أقام البينة على فقره لم يسمعها إلا من أهل المعرفة الباطنة به : لأنه قد يستر الغنى ويتظاهر بالفقر فلم تسمع منه البينة بعد تقدم العلم بغناه إلا ممن يعرف باطن أمره من أقاربه وجيرانه ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لقبيصة بن المخارق : إن المسألة حرمت إلا في ثلاث ، ذكر فيها : أو رجل أصابته عادية الخبر ، إلى أن قال : حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجى من قومه إن تدخلت له المسألة فاختلف أصحابنا في الثلاثة هل يكونون شرطا في بينته أم لا ؟ على وجهين :

أحدهما : أنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر الثلاثة تغليظا وأن شهادة العدلين مجزئة .

والثاني : أن الثلاثة ها هنا شرط ، فعلى هذا هل يكون شهادة ، أو خبرا ؟ على وجهين :

أحدهما : أنها شهادة غلظت يراعى فيها عدالة الشهود في الحقوق لنقلها خلاف المعلوم .

[ ص: 493 ] والوجه الثاني : أنه خبر لزم فيه الاحتياط فميز بعدد وروعي فيه صدق المخبرين لا عدالة الشهود .

والحالة الثالثة : أن يجهل الوالي أمره ولا يعلمه غنيا ولا فقيرا ، فلا يخلو حال السائل من أحد أمرين :

إما أن يكون ظاهره موافقا لمسألته ، أو مخالفا لها ، فإن كان ظاهره موافقا لمسألته لما عليه من سمات الفقر والفاقة ودلائل الضر في ضعف بدنه ورثاثة هيئته ، فهذا يعطى من سهم الفقراء تعويلا على شاهد حاله من غير قول يوعظ به ولا يمين يحلف بها ، وإن كان ظاهره مخالفا لمسألته وهو أن يكون قوي البدن حسن الهيئة ، فينبغي للوالي أن يقول له على طريق الوعظ والإخبار بحال من يحل له الصدقة ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذين سألاه الصدقة فصعد النظر فيهما وصوب ، ثم قال : " إن شئتما ! ولا حظ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب " ، فإذا قال له هذه المقالة وأقام على المسألة وأنه يستحق الصدقة أعطاه منها : لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للرجلين : " إن شئتما " فدل على أن ذلك لهما . وهل يحلف على فقره قبل الدفع إليه أم لا ؟ على قولين :

أحدهما : لا يحلف : لأن الأصل الفقر ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما عرض اليمين على الرجلين .

والوجه الثاني : يحلفه على فقره : لأن ظاهره بخلاف قوله ، فأما إن ادعى عيالا ففي قبول قوله فيهم وجهان :

أحدهما : لا يقبل قوله في دعوى العيال إلا ببينة تشهد بهم : لأنها دعوى تخالف الظاهر .

والوجه الثاني : أنه يقبل قوله فيهم كما يقبل قوله في نفسه لاختصاصهم به وإضافتهم إليه ، لكن لا تقبل إلا يمين يحلف بها وجها واحدا : لأنه يستزيد بها على حق نفسه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث