الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في أن التوحيد الذي هو إخلاص الدين لله أصل كل خير

فلما كان اتباع الهوى يضل عن سبيل الله أخبر بأن الضلال مع اتباع الهوى في غير موضع من كتابه، كقوله تعالى: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ، وقوله: وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم وقوله: ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وقال: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة .

كما أخبر أن الهدى مع السنة التي هي اتباع سبيله، كقوله: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما ، وقال تعالى: وإن تطيعوه تهتدوا ، وقوله: ويهدي إليه من ينيب ، وقوله: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا . [ ص: 146 ]

ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء، فإنهم على ضلال، والضلال مستلزم لاتباع الهوى، كما أن الهدى لازم لاتباع سبيله، وهذا الهدى الثاني كما في قوله: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ، قال طائفة من التابعين: لزم السنة والجماعة.

ومنهم [من قال:] من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم. ومن أخلص لله أربعين صباحا تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.

وذلك أن مخلص الدين لله محفوظ من الشيطان الذي يأمر باتباع الهوى، كما قال تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ، والغي: اتباع الهوى.

وقال عنه: قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ، فالمخلص لا يغويه، فلا يتبع هواه، كما قال: لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ، فصرف عنه الغي لأجل إخلاصه.

ولما كان الإخلاص أن يكون الدين كله لله، وعلى هذا أمر بالجهاد، وهذا يوجب الاجتماع والألفة، إذ ذلك هو دين الأنبياء الذي [ ص: 147 ] أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب، كما قال - صلى الله عليه وسلم -:"إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد" .

قال تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ، وقال في الآية الأخرى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث