الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
(ثم قال) : وذكاة السهم والكلب ذكاة تامة يحصل بها الحل التام، كما أن صلاة الخائف والمريض تبرأ بها ذمته، فإن الله إنما أوجب على الناس ما يستطيعون، ولما كان المعجوز عنه من الحيوان لا يمكن تذكيته إلا على هذا الوجه لم يوجب الله ما يعجزون عنه.

ولهذا كانت ذكاة الجنين عندنا ذكاة أمه كما مضت به السنة، وإن لم يكن في ذلك سفح دمه، إذ لا يمكن تذكيته إلا على هذا الوجه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ولهذا قلنا: إذا أدرك الصيد مجروحا ولم يتسع الزمان لتذكيته أبيح، ونظائر ذلك.

وأيضا ففي الصحاح والسنن والمساند عن رافع بن خديج قال: [ ص: 386 ]

كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بذي الحليفة من تهامة، فأصاب القوم جوع، فأصابوا إبلا وغنما، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - في أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير، فند منها بعير، فطلبوه فأعياهم، وكان في القوم خيل يسيرة، فأهوى رجل منهم بسهم، فحبسه الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم فاصنعوا به هكذا". قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدا وليست معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والظفر. وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة".

وهذا الحديث أيضا تلقاه العلماء بالقبول، وقد علق الحل فيه بشرطين: بإنهار الدم وذكر اسم الله على المذكى. فكما أن إنهار الدم شرط فكذلك ذكر اسم الله عليه، وكما أن الذكاة بما لا ينهر الدم لا يباح بحال، بل قد يعفى عما لا يمكن إنهار دمه، كالجنين في بطن أمه، فيكون ذكاته ذكاة أمه التي أنهر دمها، وأما ما لم يذكر اسم الله عليه فلم يعف عنه.

التالي السابق


الخدمات العلمية