الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


26 - بلى

لها موضعان :

أحدهما : أن تكون ردا لنفي يقع قبلها كقوله تعالى : ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم ( النحل : 28 ) أي عملتم السوء . وقوله : لا يبعث الله من يموت بلى ( النحل : 38 ) وقوله : ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ( آل عمران : 75 ) ثم قال : بلى ( آل عمران : 76 ) أي عليهم سبيل .

والثاني أن تقع جوابا لاستفهام ، دخل عليه نفي حقيقة فيصير معناها التصديق لما قبلها ، كقولك : ألم أكن صديقك ؟ ألم أحسن إليك ؟ فتقول : بلى . أي كنت صديقي . ومنه قوله تعالى : ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير ( الملك : 8 - 9 ) ومنه : ألست بربكم قالوا بلى ( الأعراف : 172 ) أي أنت ربنا فهي في هذا الأصل تصديق لما قبلها ، وفي الأول رد لما قبلها وتكذيب .

وقوله : ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ( الحديد : 14 ) أي كنتم معنا . ويجوز أن يقرن النفي بالاستفهام مطلقا ، أعم من [ ص: 230 ] الحقيقي والمجازي ، فالحقيقي كقوله : أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ( الزخرف : 80 ) أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى ( القيامة : 3 - 4 ) .

ثم قال الجمهور : التقدير : بل نحييها قادرين ، لأن الحساب إنما يقع من الإنسان على نفي جمع العظام ، وبلى إثبات فعل النفي فينبغي أن يكون الجمع بعدها مذكورا على سبيل الإيجاب .

وقال الفراء : التقدير فلنحيها قادرين ، لدلالة " أيحسب " عليه ، وهو ضعيف ; لأن بلى حينئذ لم تثبت ما نفي من قبل التقدير " بل نقدر " وهو ضعيف ؛ لأنه عدول عن مجيء الجواب على نمط السؤال .

والمجازي كقوله تعالى : ألست بربكم قالوا بلى ( الأعراف : 172 ) فإن الاستفهام هنا ليس على حقيقته ، بل هو للتقرير لكنهم أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى .

وكذلك قال ابن عباس : لو قالوا نعم لكفروا ، ووجهه أن نعم تصديق لما بعد الهمزة نفيا كان أو إثباتا .

ونازع السهيلي وغيره في المحكي عن ابن عباس من وجه أن الاستفهام التقريري إثبات قطعا ، وحينئذ فنعم في الإيجاب تصديق له ، فهلا أجيب بما أجيب به الإيجاب ! فإن قولك : ألم أعطك درهما ! بمنزلة أعطيتك .

والجواب من أوجه :

[ ص: 231 ] أحدها : ذكره الصفار ، أن المقرر قد يوافقه المقرر فيما يدعيه ، وقد لا . فلو قيل في جواب ألم أعطك ؟ " نعم " ، لم يدر هل أراد نعم لم تعطني ، فيكون مخالفا للمقرر ، أو نعم أعطيتني فيكون موافقا ، فلما كان يلتبس أجابوا على اللفظ ، ولم يلتفتوا إلى المعنى .

الثاني : وبه تخلص بعضهم فقال : إذا أتت بعد كلام منفي فتارة تكون جوابا ، وتارة لا تكون ، فإن كان جوابا فواضح ، وإن كان لغير الجواب لم يكن كذلك .

قال : وابن عباس إنما قال : لو قالوا في الجواب نعم كفروا ; لأن الجواب لست ربنا ، ولو قالوا في التصديق نعم ، لكان محض الإيمان أي نعم أنت ربنا .

وتلخص أن الذي منعه ابن عباس كون نعم جوابا ، وإن كان جوابا فهي تصديق لما بعد ألف الاستفهام ، والذين أجازوا إنما هو على أن يكون غير جواب .

تنبيهات

الأول : ما ذكرنا من كون بلى إنما يجاب بها النفي هو الأصل ، وأما قوله تعالى : بلى قد جاءتك آياتي ( الزمر : 59 ) فإنه لم يتقدمها نفي لفظا لكنه مقدر ، فإن معنى لو أن الله هداني ( الزمر : 57 ) ما هداني ، فلذلك أجيب ببلى التي هي جواب النفي المعنوي ، ولذلك حققه بقوله : قد جاءتك آياتي ( الزمر : 59 ) وهي من أعظم الهدايات .

ومثله : بلى قادرين ( القيامة : 4 ) فإنه سبق نفي وهو ألن نجمع عظامه ( القيامة : 4 ) فجاءت الآية على جهة التوبيخ لهم في اعتقادهم أن الله لا يجمع عظامهم ، فرد عليهم بقوله : بلى قادرين ( القيامة : 4 ) .

[ ص: 232 ] وقال ابن عطية : حق " بلى " أن تجيء بعد نفي عليه تقرير ، وهذا القيد الذي ذكره في النفي لم يذكره غيره ، وأطلق النحويون أنها جواب النفي .

وقال الشيخ أثير الدين : حقها أن تدخل على النفي ، ثم حمل التقرير على النفي ، ولذلك لم يحمله عليه بعض العرب ، وأجابه بنعم .

وسأل الزمخشري : هلا قرن الجواب بما هو جواب له ، وهو قوله : أن الله هداني ( الزمر : 57 ) ، وأجاب بأنه إن تقدم على إحدى القرائن الثلاث فرق بينهن وبين النظم ، فلم يحسن ، وإن تأخرت القرينة الوسطى نقض الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ، ثم التعليل بفقد الهداية ، ثم تمني الرجعة ، فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ، ثم أجاب عما اقتضى الجواب من بينها .

الثاني : اعلم أنك متى رأيت بلى أو نعم بعد كلام يتعلق بها تعلق الجواب ، وليس قبلها ما يصلح أن يكون جوابا له ، فاعلم أن هناك سؤالا مقدرا ، لفظه لفظ الجواب ، ولكنه اختصر وطوي ذكره ، علما بالمعنى كقوله تعالى : بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ( البقرة : 112 ) فقال المجيب : بلى ، ويعاد السؤال في الجواب .

وكذا قوله : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ( البقرة : 81 ) ليست بلى فيه جوابا لشيء قبلها ، بل ما قبلها دال على ما هي جواب له ، والتقدير : ليس من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته خالدا في النار أو يخلد في النار ، فجوابه الحق بلى .

[ ص: 233 ] وقد يكتفى بذكر بعض الجواب دالا على باقيه ، كما قال تعالى : بلى قادرين ( القيامة : 4 ) أي بلى نجمعها قادرين ، فذكر الجملة بمثابة ذكر الجزاء من الجملة ، وكان عنها من القواعد النافعة : أن الجواب إما أن يكون لملفوظ به أو مقدر .

فإن كان لمقدر ، فالجواب بالكلام ، كقولك لمن تقدره مستفهما عن قيام زيد : قام زيد ، أو لم يقم زيد ، ولا يجوز أن تقول : " نعم " ولا " لا " لأنه لا يعلم ما يعني بذلك ، وإن كان الجواب لملفوظ به فإن أردت التصديق قلت : " نعم " . وفي تكذيبه : " بلى " فتقول في جواب من قال : أما قام زيد ؟ نعم . إذا صدقته ، وبلى إذا كذبته .

وكذلك إذا أدخلت أداة الاستفهام على النفي ، ولم ترد التقرير ، بل أبقيت الكلام على نفيه ، فتقول في تصديق النفي : نعم وفي تكذيبه : بلى ، نحو : ألم يقم زيد ؟ فتقول في تصديق النفي : نعم وفي تكذيبه : بلى . ولا يجوز في هذا الموضع أن ترد . . . . . مخافة اللبس لاحتمال أن يكون المعنى تكذيبه أو تصديقه فلهذا تعين بلى ، لأن المعنى تكذيبه ، فإن يكن جوابا لبقي صريح " بل " لا بجواب محض كان ردا وتصديقه بنعم ، فإذا قيل قام زيد ، فإن كذبته قلت " لا " وإن صدقته قلت : نعم .

الثالث : يجوز الإثبات والحذف بعد بلى فالإثبات كقوله تعالى : ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير ( الملك : 8 - 9 ) . وقوله : وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم ( سبأ : 3 ) .

[ ص: 234 ] ومن الحذف قوله تعالى : بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا ( آل عمران : 124 - 125 ) فالفعل المحذوف بعد بلى في هذا الموضع يكفيكم ، أي بلى يكفيكم إن تصبروا .

وقوله : أولم تؤمن قال بلى ( البقرة : 260 ) أي قد آمنت . وقوله : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ( البقرة : 80 ) ثم قال : بلى ، أي تمسسكم أكثر من ذلك . وقوله : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ( البقرة : 111 ) ثم قال : بلى ، أي يدخلها غيرهم . وقوله : ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ( الحديد : 14 ) .

وقد تحذف بلى وما بعدها ، كقوله تعالى : قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا ( الكهف : 75 ) أي بلى قلت لي .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث