الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : فإذا ثبت جواز الانتفاع به ، فالمنافع تنقسم ثلاثة أقسام : قسم ورد النص بإباحته ، وقسم ورد النص بالنهي عنه ، وقسم مرسل لم يرد فيه نص .

فأما القسم الأول الذي ورد النص بإباحته ، فهو الاستصباح به ، فكذلك ما في معناه من إسجار التنانير بالبعر والسرجين وجميع الأنجاس ، وإبقائه تحت القدور ، ومن الاصطلاء بناره ، واختلف أصحابنا في نجاسة دخانه على وجهين :

أحدهما : أنه نجس : لأنه تولد عن نجاسة والأعيان النجسة لا تطهر بالاستحالة كالرماد .

والوجه الثاني : أنه طاهر ، لأنه تولد من التقاء جسمين ، فلم ينجس بنجاسة أحد الجسمين ، كالريح الخارجة من الجوف .

فإن قيل : بطهارته لم يلزم الاحتراز منه إلا تنزها .

وإن قيل : بنجاسته ، ففي العفو عنه وجهان :

أحدهما : يعفى عنه : للحوق المشقة في التحرز منه ، كدم البراغيث ، فعلى هذا إن سجر به تنورا لم يلزمه مسحه منه ، وجاز الخبز فيه .

والوجه الثاني : أنه لا يعفى عنه : لأن البعد منه عند استعماله له ممكن ، فأمكن التحرز منه ، ولا يمكن التحرز من دم البراغيث .

فعلى هذا إن تدخن به ثوب وجب غسله ، وإذا سجر به تنور ، وجب مسحه منه قبل الخبز فيه ، فإن خبز فيه قبل مسحه نجس ظهر الرغيف ، وكان وجهه طاهرا ، ولم يجز أن يأكل الرغيف إلا بعد أن يغسل ظاهره .

وأما القسم الثاني : الذي ورد النص بالنهي عنه ، وهو أن تطلى به السفن والمراكب .

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن تطلى السفن بشحوم الميتة ، وحكم شحوم الميتة والزيت النجس سواء في جواز الاستصباح بهما ، فكان سواء في المنع من إطلاء السفن بهما .

[ ص: 162 ] باب ما لا يحل أكله وما يجوز للمضطر من الميتة ، واختلف في معنى النهي عن طلاء السفن وجواز الاستصباح على وجهين :

أحدهما : أن في الاستصباح به استهلاكا له فجاز وفي طلاء السفن به استبقاء له ، فلم يجز .

والوجه الثاني : أن المصباح لا يمسه في الغالب إلا من يعلم بالنجاسة فيتوقاها ، والسفينة يمسها في الغالب من لا يعلم بالنجاسة ، فلا يتوقاها .

فعلى هذا إن جعل طلاء للبهائم ، فإن كانت مستعملة لم يجز كالسفينة : لوجود العلتين من بقاء العين ومسيس حق لا يعلم .

وإن كانت سائمة غير مستعملة ، فعلى وجهين :

أحدهما : يجوز تعليلا بأنه لا يكاد يمسها من لا يعلم بها .

والثاني : لا يجوز تعليلا ببقاء عينها .

وأما القسم الثالث : وهو المرسل عن أمر به أو نهى عنه ، فينظر في استعماله ، فإن وجد فيه معنى الأمر أبيح ، وإن وجد فيه معنى النهي حظر .

فعلى هذا يجوز أن يطعم البازي والفهد لحم الميتة لوجود معنى الإباحة فيه ، بالاستهلاك ، فإنه لا يباشرها من لا يعلم بها ، ويجوز أن يسقيهما الماء النجس ، والأبوال .

فأما طرح الأنجاس من البعر والسرجين على الزروع والأشجار ، فإن لم يماس الثمرة المأكولة ، وكان مستعملا في أصول الشجر وفي قضبان الزرع جاز : لاشتهار حالها وأنه لا يباشرها إلا عالم بها ، وإن كان مستعملا من ثمارها ، فإن كانت يابسة جاز ، لأن اليابس لا ينجس يابسا . وإن كان أحدهما رطبا أو نديا ، بنجس بالملاقاة ، فإباحة استعماله مقرونا بأحد شرطين إما بغسله قبل بيعه ، أو بإعلام مشتريه بنجاسته ، وهكذا إذا عجن طين الكيزان والخزف بالسرجين لزمه عند بيعه أن يغسله أو يخبر بنجاسته ، يغسله المشتري قبل استعماله ، فإن صار هذا عرفا مشهورا بين جميع الناس سقط الأمران عند بيعه من الغسل والإعلام ، ولم يكن للمشتري أن يستعمله إلا بعد غسله : لأنه قد صار بالعرف معلوم النجاسة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث