الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مسألة : ( والمحصر يلزمه دم ، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام ) .

وجملة ذلك : أن المحرم بالحج إذا صده عدو عن البيت ، ولم يكن له طريق آخر يذهب فيه ، أو صد عن دخول الحرم : فإنه يجوز له التحلل ويرجع لقوله [ ص: 368 ] تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) والتحلل لا يكون إلا بنية الإحلال والخروج من الإحرام . فلو حلق ، أو ذبح ، أو فعل شيئا من المحظورات غير ناو للتحلل : لم يصر حلالا ، بخلاف ما لو فعل ذلك بعد إتمام النسك ؛ لأنه إذا تم نسكه صار حلالا بالشرع حتى لو نوى دوام الإحرام لم يصح ، كالصيام إذا غربت الشمس ؛ والمصلي إذا سلم .

وإذا لم يتم : فهو مخير بين الإتمام والإحلال كالمريض الصائم والمصلي الذي يجوز له قطع الصلاة . لا يخرج من العبادة إلا بما ينافيها من النية ونحوها ، لكن المحرم لا يفسد إحرامه إلا بالوطء ولا بد من .. . .

وليس له أن يتحلل حتى ينحر هديا إن أمكنه ؛ لأن الله يقول : ( وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) فأمر بإتمام الحج والعمرة وجعل ما استيسر من الهدي في حق المحصر قائما مقام الإتمام .

وهذا يدل على وجوب الهدي من وجوه ؛ أحدها : أن التقدير : فإن أحصرتم فعليكم ما استيسر من الهدي ، أو ففرضكم ما استيسر فهو خبر مبتدأ محذوف ، أو مبتدأ خبره محذوف ، ترك ذكر المحذوف لدلالة سياق الكلام عليه ، كما قال : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) ، وكما قال : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) .

الثاني : أنه أمر بالإتمام وجعل الهدي في حق المحصر قائما مقام الإتمام . والإتمام واجب فما قام مقامه يكون واجبا ؛ ولهذا لا يجوز له التحلل حتى ينحر [ ص: 369 ] الهدي ؛ لأنه بدل عن تمام النسك . ولا يجوز له التحلل حتى يتم النسك .

الثالث : أن قوله : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) كقوله : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) ، وذلك أن الإحصار المطلق هو الذي يتعذر معه الوصول إلى البيت ، وهذا يوجب الهدي لا محالة .

الرابع : أنه قال : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) وهذا عام .. . فإن أراد التحلل قبل النحر : لم يكن له ذلك . حتى لو رفض إحرامه وفعل شيئا من المحظورات فهو باق على إحرامه .

قال أصحابنا : فإن تحلل قبل الهدي فعليه دم لأجل إحلاله .

وقال أبو الخطاب : وإن نوى التحلل قبل الهدي والصيام ورفض الإحرام : لزمه دم وهو على إحرامه . ومعناه : إذا كان الرفض بالحلق ونحوه . فأما إن تعددت المحظورات .. . .

وإذا نحر الهدي : صار حلالا بمجرد ذلك مع نية الإحلال في إحدى الروايتين اختارها القاضي . وهذا ينبني على أن الحلاق ليس بواجب على المحرم المتم . فعلى المحصر أولى ، وينبني أيضا على أن الحلق .. . .

[ ص: 370 ] قال القاضي : فعلى هذا يحل من إحرامه بأدنى ما يحظره الإحرام من طيب ، أو غيره ، والأشبه : أنه لا يحتاج إلى ذلك بل بنفس الذبح .

والرواية الثانية : عليه أن يحلق رأسه ؛ لأن الحلاق واجب ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حلقوا رءوسهم في عمرة الحديبية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث