الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة حكم تكرار المحظور

مسألة : ( ومن كرر محظورا من جنس غير قتل الصيد فكفارة واحدة إلا أن يكون قد كفر عن الأول ، فعليه للثاني كفارة ، وإن فعل محظورا من أجناس فلكل واحد كفارة ) .

في هذا الكلام فصول :

أحدها : أنه إذا كرر محظورا من جنس واحد غير قتل الصيد ، مثل أن يلبس ، أو يخلع ثم يلبس ، أو يتطيب ثم يتطيب في وقت آخر ، أو يجامع ثم يجامع ، أو يحلق ثم يحلق ثم يحلق ، أو يقلم ثم يقلم : فعليه كفارة واحدة ما لم يكن كفر عن الأول في أشهر الروايتين .

قال - في رواية ابن القاسم - وقد حكي له قول بعضهم : إذا وجبت عليه كفارة في لباس ، أو طيب ونحو ذلك ثم كفر ، ثم عاد بمثله : فعليه [ ص: 382 ] الكفارة ، وإن لم يكفر حتى عاد فليس عليه : إلا كفارة واحدة ، فقال : هو هكذا إذا لم يكفر فليس عليه إلا كفارة . وقال - في رواية ابن منصور - : فيمن وقع بأربع نسوة وهو محرم في يوم واحد ، أو أيام متفرقة : فسد حجه وعليه كفارة واحدة ما لم يكفر .. . .

والرواية الثانية : إن كان السبب مختلفا مثل مرض ، ثم مرض ، ثم حر ثم برد : فعليه كفارات ، قال - في رواية الأثرم - في محرم اعتل فلبس جبة : ثم برأ ، ثم اعتل فلبس جبة يكفر كفارتين ، فإن اعتل علة واحدة فلبس عمامة ، واحتاج في علته في الغد إلى جبة وبعد غد قميص : فإذا كانت علة واحدة وكان شيئا متقاربا فكفارة ، وإن تداوى بأدوية دواء بعد دواء فحكمه حكم اللباس .

ومعنى قوله : وإن كان متقاربا : أي فعل أشياء من المحظورات متقاربة المقصود حتى يكون جنسا واحدا ؛ مثل العمامة ، والجبة والقميص ؛ لأن كل واحد من هذه الأفعال موجب للكفارة بنفسه ، فلم تدخل كفارته في غيره كما لو كفر عن الأول ، لكن إذا كان السبب واحدا : فالفدية تبيح له ما اقتضاه ذلك السبب ؛ ولهذا يجوز تقديمها على فعل المحظور ، فلا يصير شيء من تلك الأمور محظورا في حقه فلا يحتاج إلى فدية ثانية ، بخلاف ما إذا تعدد السبب ، أو فعل المحظورات عامدا .

فعلى هذه الرواية : إذا لبس للبرد في طرفي النهار وبالليل : فإنه يخلع وقت الحر ، وكذلك إن لبس للحر وسط النهار فإنه يخلع وقت البرد ويكون سببا واحدا ؛ لأنه شيء واحد له أوقات معلومة ، فأشبه المريض مرضا واحدا إذا لم يبرأ ، [ ص: 383 ] ولكن يحتاج إلى اللباس في أوقات الحمى ونحو ذلك .

وعلى هذه الرواية أيضا : إذا فعل ذلك دفعة واحدة ؛ مثل أن يلبس ويتعمم ويحتذي ، أو حلق رأسه كله : لم يلزمه إلا كفارة واحدة أيضا .

والثالثة : لكل واحد كفارة مطلقا ، قال - في رواية ابن منصور - وقد سئل عن محرم مس طيبا ، ولبس ثوبا ، وحلق رأسه ، ولبس الخفين وما أشبه ذلك مما لا ينبغي له أن يفعل ، قال : عليه كفارة واحدة ، وإن فعل ذلك واحدا بعد واحد : فعليه دم لكل واحد ، فقد سوى بين الجنس والجنسين ؛ لأن الثوب والخف من جنس واحد .

والأول أصح ؛ لأنها أفعال من جنس واحد لا تتفاوت كفاراتها بكثرتها فتداخلت كما لو فعلها متصلة ، وذلك لأن الاتصال والانفصال لا يغير موجب الشيء ومقتضاه . بدليل قتل الصيد ، وقتل النفوس ، ونحو ذلك لما كانت متباينة استوى فيها الاتصال والانفصال ، فلما كانت هذه الأفعال متداخلة عند الاتصال وجب أن تكون متداخلة عند الانفصال .

وأيضا : فإن الكفارات كالحدود تشرع زاجرة وماحية ، فإن الحدود كفارات لأهلها ، والكفارات حدود عن المحظورات ، فوجب أن تتداخل كالحدود .

وإن كان قد كفر عن الأول : فعليه للثاني كفارة ثانية ، هكذا أطلق أصحابنا . .

[ ص: 384 ] وهذا ينبغي إذا لم يدخل الثاني في كفارة الأول ، فإن من أصلنا أنه يجوز تقديم الكفارة على الفعل إذا أبيح ؛ فلو مرض فاحتاج إلى اللبس ، أو الطيب ، فافتدى لذلك ، ثم لبس بعد ذلك مرات ، أو تطيب مرات : لم يلزمه كفارة ثانية بلا تردد ؛ لأن الفدية أباحت اللبس الثاني كما أباحت اللبس الأول ، ولا فرق بينهما ، ولهذا أطلق أحمد القول بوجوب كفارة واحدة إذا لبس مرات لعلة واحدة ، ولم يفرق بين أن يكفر ، أو لا يكفر ، اللهم إلا ينوي أنه يستبيح اللبس مرة واحدة .

ولو كفر ثم استدام المحظور : فعليه كفارة ثانية كما لو ابتدأه على ما ذكره - في رواية ابن منصور - فيمن لبس قميصا عشرة أيام ناسيا عليه كفارة واحدة ما لم يكفر .

وهذا إذا لم يكن لعذر .. . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث