الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( فصل )

وهل يجب هذا المبيت على أهل السقاية والرعاء ؟ قال ...

المسألة السادسة : أن من وافاها بعد جواز الإفاضة منها ; إما بعد منتصف الليل أو بعد مغيب القمر ، أو بعد طلوع الفجر - على ما مضى - أجزأه ذلك ولا دم عليه ، وسواء نزل بها ، أو لم ينزل .

قال - في رواية أبي الحارث - فيمن أفاض من جمع بليل قبل طلوع الفجر ، فقال : إذا نزل بها ، أو مر بها ، فأرجو أن لا يكون عليه شيء ، إن شاء الله تعالى .

وقال أبو طالب : قلت أليس من لم يقف بجمع عليه دم ؟ قال : نعم إذا لم يقف بجمع عليه دم ، لكن يأتي جمع فيمر قبل الإمام ، قلت : قبل الإمام يجزئه ، قال : نعم قد قدم النبي صلى الله عليه وسلم الضعفة .

[ ص: 620 ] المسألة السابعة : من لا عذر له فإنه يجوز أن يخرج منها قبل طلوع الفجر ، ويكون وقوفه الواجب مكثه بها قبل ذلك ، والمستحب وقوفه عند قزح قبل ذلك . هذا هو المذهب ، وقد نص عليه في رواية الجماعة .

قال - في رواية حنبل - من لم يقف غداة المزدلفة ليس عليه شيء .

وقال - في رواية أبي طالب - : يأتي جمعا فيقف قبل الإمام يجزئه ، وقد تقدم نصه في رواية حنبل ، وأبي الحارث .

وقال الأثرم : قيل لأبي عبد الله : يدفع من مزدلفة قبل الإمام ؟ قال : المزدلفة عندي غير عرفة ، وذكر حديث ابن عمر أنه دفع قبل ابن الزبير ، قيل لأبي عبد الله كأن سنة المزدلفة عندك غير سنة عرفة ؟ قال : نعم ، واحتج على ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم الضعفة ولم يشهدوا معه الموقف بجمع ، ولو كان الوقوف بالغداة واجبا ، لما سقط عن الظعن ولا غيرهم كالوقوف بعرفة إلى غروب الشمس ، وكرمي الجمار وغير ذلك من الواجبات ، ولأنهم من حين يدخلون إلى المزدلفة فهم في الموقف بالمشعر الحرام إلى أن يخرجوا منها ، فجاز التعجيل منها لطول المقام بها رخصة وتخفيفا ، بخلاف عرفات فإن الوقوف بها ليس بطويل .

ولأن الوقوف بالمزدلفة ليس بمحدود المبتدأ ، فإن الناس يجيئون إليها على قدر سيرهم ، فجاز أن لا يكون محدود المنتهى ، فيخرجون منها كذلك بخلاف عرفات ، يدخلونها وقت الزوال ، ويخرجون منها بعد الغروب . وهذا لأنه لما لم يتقيدوا بالإمام في مبتدأ الوقوف بمزدلفة ، لم يتقيدوا به في منتهاه ، وعرفة بخلاف ذلك .

وأيضا : فإن عرفات كان المشركون يتعجلون منها ، فسن لنا مخالفتهم بإيجاب التأخير إلى غروب الشمس ، وكانوا يتأخرون بالمزدلفة إلى طلوع [ ص: 621 ] الشمس فسن لنا التعجيل منها قبل ذلك مخالفة لهم ، فجاز أن يوسع وقت التعجيل وأن يفيض قبل الإمام ، لأن ذلك أبعد عن التشبه بهدي المشركين ، وهذا معنى قول أحمد : سنة عرفة غير سنة المزدلفة .

وقد أجاب أحمد عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا حتى تطلع الشمس فقد تم حجه وقضى تفثه " بأن منطوق الحديث لا إشكال فيه . وأما مفهومه ، فليس على عمومه ، إذ لا يجوز أن يكون معناه من لم يصل معنا ، ويقف إلى طلوع الشمس لم يتم حجه ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم الضعفة ، ولم يصلوا معه ولم يقفوا . وعمر - رضي الله عنه - : انتظر الأعرابي بين ظهراني المسلمين حتى جاء ولم يصل ، والناس يرون ذلك ، ولم ينكر أحد عليه فوت الصلاة ، وذلك لأن هذا مفهوم منطوق خرج جوابا عن سؤال سائل ، فإن عروة بن مضرس : كان قد أدرك مع النبي - صلى الله عليه وسلم - : الصلاة والوقوف ، فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم من هو في حاله : أن حجه تام ، ومثل هذا قد لا يكون له مفهوم ; لأن التخصيص بالذكر لأجل حال السائل . ومنه فائدة أخرى ، وهو أن من أدرك الصلاة فإنه يكون قد أدرك الوقوف بعرفة قبل ذلك ، بخلاف من لم يدرك الصلاة ، فإنه قد لا يكون دخل عرفة إلا بعد الفجر .

وفيه - أيضا - وجوب الوقوف مع الإمام على من لم يقف قبل طلوع الفجر ، على ما ذكرناه فيما تقدم .

ويتوجه وجوب الوقوف بعد الفجر لغير أهل الأعذار ، لما روت عائشة قالت : " كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة ، فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن [ ص: 622 ] تفيض من جمع بليل ، فأذن لها ، فقالت عائشة : فليتني كنت استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنته سودة ، وكانت عائشة إلا مع الإمام " .

وفي رواية : وددت أني كنت استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنته سودة ، فأصلي الصبح بمنى ، فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس ، فقيل لعائشة : فكانت سودة استأذنته ؟ قالت : نعم ، إنها كانت ثقيلة ثبطة فاستأذنت لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذن لها " ، وفي رواية : " استأذنت سودة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة تدفع قبله ، وقبل حطمة الناس ، وكانت امرأة ثبطة ، يقول القاسم : والثبطة الثقيلة ، قالت : فأذن لها ، فخرجت قبل دفعه ، وحبسنا حتى أصبحنا ، فدفعنا بدفعه ، ولأن أكون استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنته سودة ، فأكون أدفع بإذنه أحب إلي من مفروح به " متفق عليه .

فلو كان الإذن في الدفع قبل الإمام عاما للناس ، لم تستأذنه عائشة لسودة ، ولو فهمت - وهي السائلة له - أن إذنه لسودة إذن لكل الناس لم تتأسف على أنها لم تستأذنه لنفسها ، وهي أعلم بمعنى ما سألته وما أجابها ، وإنما كانت الرخصة مقصورة على ذي العذر ، فخشيت عائشة أن لا تكون هي من جملة أولي الأعذار ، فبنت على الأصل .

وأيضا قول ابن عمر : " أرخص في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي لفظ : [ ص: 623 ] " لضعفة الناس " وقول أسماء : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن للظعن " كل دليل على أن الإذن خاص بالظعن ، وأن المعروف المستقر بينهم أنه لا يجوز إفاضة أحد حتى يفيض الإمام ، حتى رويت الرخصة في الضعفاء ، ولا يلزم من الإذن للضعفة الإذن لغيرهم ; لأن تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لهم بالذكر والإذن من بين سائر الناس دل على أن حكم غيرهم بخلاف ذلك .

ولأن الأصل وجوب اتباعه في جميع المناسك بقوله - صلى الله عليه وسلم - : " خذوا عني مناسككم " لا سيما وفعله - صلى الله عليه وسلم - خرج امتثالا لقوله : ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) والفعل إذا خرج امتثالا لأمر كان بمنزلته ، والأمر للوجوب . ولا يجوز أن يقال : فالذكر ليس بواجب ; لأن أمر الله في كتابه للوجوب ، لا سيما في العبادات المحضة ، وهناك ذكر واجب بالإجماع ، وهو صلاة الفجر بمزدلفة ، على أنه يحتاج من قال : إن الذكر لا يجب إلى دليل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث