الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وإن لم يكن للعبد طالب ، فإذا [ ص: 21 ] طال ذلك باعه الإمام وأمسك ثمنه حتى يجيء له طالب ويقيم البينة أنه عبده فيدفع إليه الثمن لأنه مأمور بالنظر ، وليس من النظر إمساكه بعد طول المدة ; لأنه محتاج إلى النفقة ، وربما يأتي ثمنه على نفقته ، ولأنه لا يأمن أن يأبق منه فكان حفظ ثمنه أيسر عليه من حفظ عينه وأنفع لصاحبه ، وليس لصاحبه إذا حضر أن ينقض بيع الإمام ; لأنه نفذ بولاية شرعية ، وينفق عليه الإمام في مدة حبسه من بيت المال ; لأنه محتاج إلى النفقة عاجز عن الكسب إذا كان محبوسا ، ولو أمره الإمام بأن يخرج فيكتسب فأبق ثانيا فكان النظر في الإنفاق عليه من بيت المال ; لأنه معد للنوائب ، وهذا من جملة النوائب ، ثم يأخذ ذلك من صاحبه إن حضر فرده عليه أو من ثمنه إن باعه ، وقد بينا هذا في نفقة الملتقط بأمر القاضي فكذلك في نفقة الإمام من بيت المال على الآبق ; لأن قضاءه في ذلك للمسلمين لا لنفسه ، فإن أقام مدعيه شهودا نصارى لم تجز شهادتهم ; لأن العبد في يد إمام المسلمين ، واستحقاق يد المسلم لا يكون بشهادة النصارى ، وإن أقام بينة من المسلمين ، وقد باعه الإمام فزعم أنه كان قد دبره ، أو كانت جارية فزعم أنها كانت أم ولده لم يصدق على فسخ البيع ; لأن البيع نفذ من القاضي بولاية شرعية فكأن المالك باشر بيعه بنفسه ثم ادعى شيئا من ذلك ، ولا يصدق على فسخ البيع إلا أن يكون لها ولد وقد ولدته في ملكه فيدعي أنه ولده منها ، فحينئذ يصدق ويثبت النسب ، ويفسخ البيع كما لو كان باشر البيع بنفسه ، وهذا لأن ثبوت نسب ولد حصل العلوق به في ملكه بمنزلة البينة فيما يرجع إلى إبطال حق الغير ، ألا ترى أن المريض إذا أقر لجاريته أنها أم ولده ومعها ولد يدعي نسبه كان مصدقا في إبطال حق الغرماء والورثةعنها ، بخلاف ما إذا لم يكن معها ولد فهذا مثله .

وإذا وجد الرجل غلاما أو جارية آبقا بالغا أو غير بالغ فرده إلى مولاه ، فإن كان أخذه من مسيرة ثلاثة أيام أو أكثر . فله الجعل أربعون درهما ، ولا يزاد على ذلك ، وإن بعدت المسافة ; لأن تقدير الجعل بأربعين إذا رده من مسيرة سفر ثابت بفتوى ابن مسعود رضي الله عنه ، والزيادة على القدر الثابت شرعا بالرأي لا تجوز ، ولأن أدنى مدة السفر معلوم ولا نهاية لما وراء ذلك ، والحكم لا يتغير به شرعا كسائر الأحكام المتعلقة بالسفر ، وإن أخذه في المصر أو خارجا منه ولكن فيما دون مسيرة سفر في القياس لا شيء له ; لأن التقدير الثابت بالشرع يمنع أن يكون لما دون المقدر حكم المقدر ، ولأن الجعل إنما يستحقه راد الآبق ، وتمام الإباق بمسيرة السفر ففيما دونه هو كالضال ، ولهذا لا يتعلق شيء من أحكام السفر فيما [ ص: 22 ] دون مسيرة السفر ، وفي الاستحسان له الجعل على قدر المكان والعناء ; لأن في مدة السفر وجوب الجعل ليس لعين المدة بل لما يلحق من العناء والتعب في رده ، وقد وجد بعض ذلك فيستوجب من الجعل بقدره ، ألا ترى أن المالك لو استأجره بمال معلوم ليرده من مسيرة يوم استحق من المسمى بقدره فكذلك فيما هو ثابت شرعا ، وإن كان أنفق عليه أضعاف مقدار الجعل بغير أمر القاضي فليس له سوى الجعل ; لأنه متبرع فيما أنفق ، وإن مات عنده قبل أن يرده أو أبق منه ، فإن كان أشهد على ذلك حين وجده أنه إنما أخذه ليرده على صاحبه فلا ضمان عليه ، وإن أقر أنه أخذه لنفسه فهو ضامن ، وإن ادعى أنه أخذه للرد ولكن ترك الإشهاد مع الإمكان فهو على الخلاف ، وقد بينا هذا في اللقطة فكذلك في الآبق ; لأن المعنى يجمعهما ، وهذا إذا علم أنه كان آبقا ، فإن أنكر المولى أن يكون عبده آبقا . فالقول قوله ; لأن السبب الموجب للضمان قد ظهر من الأخذ ، وهو أخذه مال الغير بغير إذنه فهو يدعي ما يسقطه ، وهو الإذن شرعا لكون العبد آبقا ، ولو ادعى الإذن من المالك له في أخذه وأنكر المالك كان القول قوله فكذلك هنا ، وعلى هذا لو رده فأنكر المولى أن يكون عبده آبقا ، فلا جعل له إلا أن يشهد الشهود بأنه أبق من مولاه أو أن مولاه أقر بإباقه ، فحينئذ الثابت بالبينة كالثابت معاينة فيجب له الجعل .

وإذا أعتقه المولى في إباقه جاز ذلك ; لأن نفوذ هذا التصرف يعتمد الملك دون القدرة على التسليم حتى ينفذ في المرهون والمؤاجر والجنين في البطن والمبيع قبل القبض فكذلك ينفذ في الآبق ; لأن الإباق لا يزيل ملكه ، وإنما يعجزه عن التسليم ، ولهذا لو باعه لم يجز ; لأن البيع لا يصح إلا فيما هو مقدور التسليم للعاقد ، وقدرته على التسليم تنعدم بالإباق ، ولأن في بيعه معنى الغرر ; لأنه لا يعلم بقاؤه في الحال حقيقة ولا عودة ليقدر على التسليم { ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر } فالغرر لا يمنع نفوذ العتق والتدبير ، فلهذا صح منه إذا ظهر أنه كان قائما وقت العتق ، ولو وهبه لرجل لم يجز ; لأن الهبة لا تتم إلا بالتسليم ، وهو غير قادر على تسليمه ، فإن وهبه لابن له صغير في عياله فالهبة جائزة ، وإعلامه بمنزلة القبض ; لأنه باق في يد مولاه حكما فيصير قابضا للصغير باليد الحكمي الذي بقي له ، وحق القبض فيما يوهب للصغير إليه ، وسواء كان الصغير في عياله أو لم يكن ; لأن الولاية ثابتة له بالأبوة ، فلا تنعدم بكونه في عيال غيره ، وإنما ذكر قوله في عياله على سبيل العادة لا للشرط ، وإنما قلنا : إنه في يده حكما ; لأن اليد الحكمي كان له باعتبار ملكه ، فلا ينعدم [ ص: 23 ] إلا باعتراض يد أخرى على يده ، وبالإباق لا يوجد ذلك ، وعلى هذا الطريق لا فرق بين أن يكون مترددا في دار الإسلام أو في دار الحرب .

ووجه آخر فيه وهو أن اليد الحكمي باعتبار تمكنه من الأخذ لأنه لو قدر عليه ، وذلك باق ما دام في دار الإسلام بقوة الإمام والمسلمين ، وعلى هذا الطريق لو أبق إلى دار الحرب ثم وهبه لابنه الصغير لا يجوز كما رواه قاضي الحرمين عن أبي حنيفة رحمه الله ; لأن اليد الحكمي ليس بثابت له في دار الحرب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث