الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رجل غصب دار رجل وسكنها

( رجل ) غصب دار رجل وسكنها ، فإن انهدمت من سكناه أو من عمله فهو ضامن لذلك ; لأنه متلف لما انهدم بفعله ، والإتلاف يتحقق في العقار كما في المنقول ، وإن انهدمت من غير عمله فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهما الله ; لأن الغصب الموجب للضمان لا يتحقق عندهما في العقار ، والحكم ينبني على السبب وأصل المسألة ; لأن العقار لا يضمن بالغصب في القياس ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر رحمهم الله ، وفي الاستحسان يضمن ، وهو قول أبي يوسف الأول ومحمد والشافعي رحمه الله . حجتهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : { من غصب شبرا من أرض طوقه الله تعالى يوم القيامة من سبع أرضين } فقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الغصب على العقار . وكذلك من حيث العرف يقال : غصب دار فلان ، ومن حيث الحكم دعوى الغصب في العقار تسمع حتى لا تندفع بإقامة ذي اليد البينة على أن يده يد أمانة ، وإذا ثبت أن الغصب يتحقق فيها يترتب عليه حكمه والمعنى فيه .

أما الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول : العقار يملك بالاستيلاء يدا فيضمن بالغصب يدا كالمنقول .

وبيان الوصف أن الغزاة إذا فتحوا بلدة يملكون عقارهم ، وتأثيره ما بينا على أصله أن حد الغصب التعدي بإثبات اليد لنفسه على مال الغير بغير حق ، وذلك يتحقق في العقار والمنقول جميعا ومحمد يقول : العقار يضمن بالعقد الجائز والفاسد فيضمن بالغصب كالمنقول ، وتحقيقه هو أن [ ص: 74 ] وجوب ضمان الغصب يعتمد تفويت يد المالك بالنقل ، ولكن فيما يتأتى ذلك فيه ، فأما فيما لا يتأتى يقام غيره مقامه لإثبات الحكم ، وهو الاستيلاء بأقصى ما يمكنه بالسكنى وإخراج المالك عنه ، كما أن شرط صحة الدعوى والشهادة الإشارة إلى العين في المنقول الذي يمكن إحضاره ، ثم في العقار لما تعذر ذلك يقام ذكر الحدود مقامه ، وشرط تمام الهبة القبض بعد القسمة فيما يتأتى فيه القسمة ، ثم فيما لا يحتمل القسمة تقام التخلية مقامه ; ولهذا سماه استحسانا ، ولا معنى لقولكم : إن فعله في المالك هنا يمنعه من أن يدخل ملكه فيسكن ; لأن ما هو المقصود بتفويت اليد ، وهو فوت منفعة الملك وثمراته عليه يحصل بهذا ، ويجوز إقامة فعله في غير المضمون مقام فعله في المضمون في إيجاب الضمان كحافر البئر في الطريق فعله في الأرض دون المار ، ثم يجعل ذلك قائما مقام فعله في المار الواقع في البئر في إيجاب الضمان عليه ، فهذا مثله أو أقوى منه .

وحجتنا في ذلك الحديث ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين جزاء غاصب العقار الوعيد في الآخرة ، ولم يذكر الضمان في الدنيا ، فذلك دليل على أن المذكور جميع جزائه ، ولو كان الضمان واجبا لكان الأولى أن يبين الضمان ; لأن الحاجة إليه أمس ، وإطلاق لفظ الغصب عليه لا يدل على تحقق الغصب فيه موجبا للضمان ; لأن في لسان الشرع حقيقة ومجازا ، ألا ترى أنه أطلق لفظ البيع على الحر بقوله : من باع حرا ، وهذا لا يدل على أن البيع الموجب لحكمه حقيقة يتصور في الحر ، وكذلك في عرف اللسان حقيقة ومجازا ، ألا ترى أنهم يطلقون لفظ السرقة على العقار كما يطلقون لفظ الغصب ، وقد ورد الشرع بذلك أيضا ، ثم لا يتحقق في العقار السرقة الموجبة لحكمها على أنا نقول : يتحقق أصل الغصب في العقار ، ولكن الغصب الموجب للضمان لا يتحقق ; لأنه مما لا ينقل ولا يحول . وبيان هذا أن الضمان إنما يجب جبرانا للفائت من يد المالك ، ولا يتحقق تفويت اليد عليه بفعل في المال بدون النقل والتحويل ; لأن يد المالك متى كانت ثابتة على ماله في مكان تبقى ما يبقى المال في ذلك المكان حكما إلا أن ينقله إلى غيره بمباشرة سببه ، ومن حيث الحقيقة الغاصب وإن سكن الدار فالمالك متمكن من أن يدخل فيسكن ، فإن منعه فذلك فعل في المالك لا في الملك ، وفعله في المالك لا يفوت يده عن المال ، فلا يكون سببا للضمان كما لو حبس المالك حتى تلفت مواشيه ; ولهذا لا يضمن المنقول بالتخلي به قبل النقل فكذلك العقار .

وإقامة الشيء الآخر مقام السبب الموجب للحكم طريق فيما يأذن الشرع فيه أن يوجبه [ ص: 75 ] الحكم ، فأما الغصب لا يأذن الشرع فيه ، والحكم يمنع منه فكيف يثبت بإقامة غيره مقامه حكما ، ولكن إن صادف الفعل محلا يتحقق فيه يثبت حكمه ، وإن صادف محلا لا يتحقق فيه لا يثبت الحكم كمن زنى برتقاء ، وأتى بما في وسعه من المعالجة لا يلزمه الحد ، وإن قضى شهوته ; لأن ما هو حد فعل الزنا لا يتحقق في هذا المحل ، فلا يشتغل بإقامة غيره مقامه ، ولا ينظر إلى تحصيل المقصود ، وبه فارق ضمان العقد ; لأن ذلك يوجبه الحكم فيجوز إثباته بطريق حكمي ، والعقد الفاسد معتبر بالجائز ; لأن الفاسد لا يمكن أن يجعل أصلا في معرفة حكمه ، فإن الشرع لا يرد بالعقد الفاسد ، وكذلك ذكر الحدود في الدعوى والشهادة يجوز أن تقوم مقام الإشارة في التعريف ; لأن ذلك مما يوجبه الحكم ، ويأذن فيه الشرع ، وكذلك القبض في باب الهبة ، فإن الشرع يأذن فيه فيصار إلى إيجاده بطريق التمكن ، ولو كان ما قال محمد رحمه الله تعالى من إقامة الفعل في المالك مقام الفعل في المال صحيحا لكان الأولى أن يصار إليه في المنقول ; لأن الحاجة إلى حفظ المنقول باليد أظهر منه إلى حفظ العقار ، ولا يوجب الضمان على الحافر بالطريق الذي قال بل بإقامة الشرط مقام السبب لما تعذر تعليق الحكم بالسبب ، وهو نقله في نفسه ، ومسببه إذا كان لا يعلم ، والحافر أوجد شرط الوقوع بإزالة السكة ، وإقامة الشرط مقام السبب عند تعذر تعليق الحكم بالسبب أصل في الشرع ، والإتلاف بهذا الطريق يتحقق ، فأما هنا الفعل في المالك ليس بشرط ولا سبب ، ولا يتحقق به تفويت اليد الثابتة حكما ، ألا ترى أن هناك مع أن الإتلاف يتحقق من الحافر بالمباشرة بأن يلقيه في البئر يقام الحفر مقامه ، وهنا فيما يتأتى الفعل حقيقة لا يقام الفعل في المالك مقام الفعل في المال .

ولا يدخل على هذا ما قاله في الزيادات إذا وهب الرجل دارا بما فيها من الأمتعة فهلكت الأمتعة قبل أن ينقلها الموهوب له ، ثم استحقت فللمستحق أن يضمن الموهوب له ; لأن في جواب تلك المسألة نظرا فقيل : هو مذهب محمد ، وقيل : لا يستقيم على أصل محمد أيضا ; لأنه يوافقنا في المنقول أنه لا يضمن قبل النقل ، وقد نص عليه في السير الكبير . ( ثم ) العذر أن الواهب نقل يده إلى الموهوب له ، ويد الواهب في الأمتعة كانت مفوتة ليد المالك فانتقلت بصفتها إلى الموهوب له .

( فإن قيل : ) أليس أنه لو اشترى منقولا وخلي بينه فهلك قبل النقل ، ثم جاء مستحق فليس له أن يضمن المشتري ، وهذا المعنى موجود فيه . ؟ ( قلنا : ) لا كذلك فالبيع يوجب الملك ، واليد للمشتري ، فلا يجعل يده كيد [ ص: 76 ] البائع ، فأما الهبة لا توجب التسليم إلى الموهوب له فيستقيم أن يجعل الواهب بالتسليم محولا يده إلى الموهوب له ، وبهذا الطريق للمالك أن يضمن غاصب الغاصب أيضا ; لأنه حول إلى نفسه يد الغاصب الأول ، وهي يد مفوتة ليد المالك فتحول إليه بصفته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث