الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وإن أخذ مقبلا بأرضهم ، وقال : جئت أطلب الأمان ، أو بأرضنا ، وقال : ظننت أنكم لا تعرضون لتاجر ، أو بينهما، رد لمأمنه ، [ ص: 175 ] وإن قامت قرينة ، فعليها ، وإن رد بريح ، فعلى أمانه حتى يصل ، وإن مات عندنا ; فماله فيء ، وإن لم يكن معه وارث ولم يدخل على التجهيز ، [ ص: 176 ] ولقاتله إن أسر ثم قتل [ ص: 177 ] وإلا أرسل مع ديته لوارثه : كوديعته ، وهل وإن قتل في معركة ، أو فيء قولان وكره لغير المالك : اشتراء سلعه ، [ ص: 178 ] وفاتت به وبهبتهم لها ، وانتزع ما سرق ، ثم عيد به لبلدنا على الأظهر ; لا أحرار مسلمون قدموا بهم ، وملك بإسلامه غير الحر المسلم ، [ ص: 179 ] وفديت أم الولد ، وعتق المدبر من ثلث سيده ، ومعتق لأجل بعده ، ولا يتبعون بشيء ، ولا خيار للوارث .

التالي السابق


( وإن أخذ ) بضم فكسر الحربي حال كونه ( مقبلا ) بضم فسكون فكسر أي حالة إقباله إلينا وصلة أخذ ( بأرضهم ) أي الكفار ( وقال ) الحربي المأخوذ بأرضهم ( جئت ) لكم ( أطلب الأمان ) منكم ( أو ) أخذ ( بأرضنا ) ومعه سلع ودخلها بلا تأمين ( وقال ) الحربي المأخوذ بأرضنا جئت لأتجر و ( ظننت أنكم لا تعرضون ) بفتحات مثقلا حذفت منه إحدى التاءين للتخفيف ( لتاجر أو ) أخذ ( بينهما ) أي أرضي المسلمين والكافرين . وقال جئت أطلب الأمان ( رد ) بضم الراء وفتح الدال مشددة الحربي ( لمأمنه ) بفتح الميمين بينهما همز ساكن أي محل يأمن فيه على نفسه وماله في المسائل [ ص: 175 ] الثلاثة . وكذا إن أخذ بأرضهم مقبلا إلينا بسلع وقال ظننت أنكم لا تتعرضون لتاجر بالأولى .

ولو أخذ بأرضنا وقال : جئت للأمان أو للإسلام أو للفداء فقيل يرد لمأمنه ، وقيل يخير فيه الإمام ويرى فيه رأيه إن أخذ بحدثان مجيئه وإلا فيخير الإمام فيه باتفاق قاله في التوضيح عج انظر ما وجه رده لمأمنه إذا قال جئت للإسلام ولم لا يطلب منه فإن أباه خير فيه الإمام ، وأجيب بأن المعنى لعرض أحكامه عليه فينظر هل يسلم أم لا .

( وإن قامت قرينة ) على صدقه كوجود سلع دون سلاح معه أو على كذا كعكسه ( فعليها ) أي القرينة يعمل في المسائل الثلاثة ( وإن رد ) بضم ففتح مثقلا الحربي المؤمن بعد توجهه لبلده وقبل وصوله إليه ( بريح ) وكذا إن رجع مختارا على ظاهر كلام ابن يونس ( ف ) هو ( على أمانه ) السابق ( حتى يصل ) لبلده أو لمأمنه وله نزوله بالمكان الذي كان به وليس للإمام إلزامه الذهاب . وقيل يخير إن شاء أنزله وإن شاء رده ، فإن رد بعد وصوله لمأمنه فقيل يخير فيه الإمام ، وقيل هو فيء ، وقيل إن رد غلبة خير الإمام فيه . وإن رجع اختيارا فهو حل . ابن عرفة لو رجع بعد بلوغه مأمنه ففي قوله حلا لمن أخذه أو تخيير الإمام في إنزاله أمنا ورده ثالثا إن رجع اختيارا ا هـ .

ولما فرغ من متعلقات الأمان شرع في متعلقات الاستئمان وهو كما قال ابن عرفة تأمين حربي ينزل لأمر ينصرف بانقضائه فقال ( فإن مات ) الحربي المستأمن في غير معركة ، ولا أسر ( عندنا فماله ) أي الحربي وديته إن قتل ( فيء ) لبيت المال ( إن لم يكن معه ) أي الحربي ( وارث ) له ببلدنا فإن كان معه وارث له عندهم بقول أساقفتهم ولو زوجة أو بنتا أو ذا رحم كما في التوضيح فهما له سواء دخل على التجهيز أم لا ( ولم يدخل ) الحربي بلدنا ( على التجهيز ) أي شراء أمتعة بأن دخل على الإقامة أو كانت معتادة لهم ، أو جهل [ ص: 176 ] ما دخل عليه ، ولا عادة لهم أو طالت إقامته بالعرف بعد دخوله على التجهيز ، أو اعتياده تنزيلا له منزلة الدخول عليها ، ففي هذه الصور الخمسة ماله وديته فيء وإن لم يمت وأراد الرجوع إلى بلده فلا يمكن منه لئلا يخبرهم بعورات المسلمين ، وكذا يكون ماله فيئا فيها إن قتل في معركة بلا أسر .

فإن حارب بعد خروجه من عندنا وأسر فأشار له بقوله ( و ) إن نقض العهد وحارب فقتلوه فماله ( لقاتله إن أسر ) بضم فكسر الحربي حيا ( ثم قتل ) ولم يقتل فالأولى أن يقول ولآسره ، وحذف لفظ قاتله ثم قتل لملكه بأسره رقبته " غ " والصواب كما في بعض النسخ تأخير قوله ولقاتله إن أسر عن قوله قولان ، لأنها في قوله وإن مات عندنا إلخ ، وفي قوله وإلا أرسل مع ديته لوارثه وفي قوله كوديعته فهو كالمستثنى من المحلات الثلاثة ، أو أنها محذوفة من الأخيرين لدلالة الأول عليه ، ومحل كونه لقاتله إن كان من غير الجيش وغير المستند له وإلا فيخمس كسائر القسيمة ا هـ عب .

ونص " غ " وإن مات عندنا فماله فيء إن لم يكن معه وارث ولم يدخل على التجهيز وإلا أرسل مع ديته لوارثه كوديعته وهل وإن قتل في معركة أو فيء قولان ، ولقاتله إن أسر ثم قتل يقع هذا الكلام في النسخ بتقديم وتأخير على خلاف هذا الترتيب والصواب ما رسمت لك يظهر بالتأمل ا هـ البناني . الذي يدل عليه كلام ابن عرفة وغيره أن الصور أربع ; لأنه إما أن يموت عندنا وإما أن يموت في بلده ، وإما أن يؤسر وإما أن يقتل في معركة .

أشار المصنف إلى الأولى بقوله وإن مات عندنا إلخ مع قوله وإلا أرسل مع ديته إلخ وأشار للثانية بقوله كوديعته ، فالتشبيه تام كما في س وخش يدل عليه كلام ابن عرفة الآتي خلافا لز وأشار إلى الثالثة بقوله ولقاتله إن أسر فهو قسيم لما قبله ولما بعده فلا يتوهم رجوعه لهما كما توهمه " ز " وشيخه .

وأشار إلى الرابعة بقوله وهل وإن قتل في معركة قولان هذا تحقيق كلام المصنف [ ص: 177 ] إن شاء الله تعالى وبه تعلم ما وقع في كلام ز من الخلل . ابن عرفة الصقلي عن محمد عن ابن القاسم وأصبغ حكم ماله عندنا في موته ببلده كموته عندنا وماله في موته بعد أسره لمن أسره . ولو قتل في معركة ففي كونه لوارثه أو فيئا لا يخمس نقل الصقلي ، عن محمد وابن حبيب مع نقله مع ابن القاسم وأصبغ . ا هـ . وبه تعلم أن المراد بقوله كوديعته المال المتروك عند المسلمين لا خصوص الوديعة العرفية ، ولذا عبر ابن عرفة بلفظ مال وعمم في القولين ، وبه قرر الشارحان فقول " ز " .

وكذا يكون ماله فيئا فيه نظر بل فيه القولان الآتيان ( وإلا ) أي وإن دخل على التجهيز بنص أو عادة ولم تطل إقامته فيهما ( أرسل ) بضم الهمز وكسر السين ماله الذي عندنا ( مع ديته ) أي الحربي المقتول ظلما في غير معركة ( لوارثه ) أي الحربي في ديته فهذا مفهوم ولم يدخل على التجهيز .

وشبه في الإرسال للوارث فقال ( كوديعته ) أي مال الحربي المتروك عندنا سواء كان وديعة عرفية أم لا وقد مات ببلده وليس له وارث عندنا فيرسل لوارثه ببلده ( وهل ) ترسل وديعته لوارثه إن مات ببلدنا أو قتل ظلما بل ( وإن قتل ) بضم فكسر أي الحربي ( في معركة ) بينه وبين المسلمين بلا أسر ( أو ) إن قتل في معركة فهي ( فيء ) لبيت المال فلا ترسل لوارثه ، ولا تخمس فيه ( قولان ) لم يطلع المصنف على أرجحية أحدهما ، الثاني لابن القاسم والأول لابن المواز حكاهما ابن يونس .

( و ) إن نهب حربي سلعا من مسلم أو ذمي وذهب بها لأرضه ثم رجع بها لبلادنا بأمان ( كره ) بضم فكسر كذا في المدونة أبو الحسن تنزيها ( لغير ) المسلم أو الذمي ( المالك ) للسلع التي قدم الحربي بها بأمان ( اشتراء سلعه ) أي المالك ; لأنه إغراء لهم على أموال المسلمين والذميين وتقوية لهم عليه ولأنه يفوتها على مالكها . [ ص: 178 ]

( و ) إن اشتراها غير مالكها ( فاتت ) السلع على مالكها ( به ) أي شراء غيره فليس له أخذها من مشتريها جبرا بالثمن ، ولا بغيره ( و ) فاتت أيضا ( بهبتهم ) أي الحربيين بأرضنا بعد دخولها بأمان ، وظاهره جواز قبول هبتهم ، وعلة التفويت تقتضي كراهته فيه أقول ( لها ) أي سلع المسلم أو الذمي سواء وهبوها لمسلم أو ذمي ، إما ; لأن التأمين يحقق ملكهم أو ; لأنه به صارت له حرمة ليست له في دار الحرب ، بخلاف ما وقع في المقاسم ، أو باعوه أو وهبوه بدارهم فلا يفوت على ربه فيأخذ الموهوب مجانا والمبيع بمثل ثمنه ( وانتزع ) بضم المثناة وكسر الزاي من الحربي المستأمن أو الذي ضربت عليه الجزية ( ما ) أي الشيء الذي ( سرق ) بضم فكسر من مسلم أو ذمي في زمن العهد أو غصب ولو رقيقا وذهب به لأرض الحرب .

( ثم عيد ) بكسر فسكون أي رجع ( به ) لبلدنا فينتزع ( على الأظهر ) من الخلاف عند ابن رشد سواء عاد به سارقه أو غيره وتقطع يد السارق إن عاد به كقتل من قتل مسلما أو ذميا حال تأمينه ثم هرب إلى أرضه ثم رجع إلينا ، ولا يسقط ذلك عنه تأمينه ( لا ) ينزع من المستأمنين ( أحرار مسلمون ) أسروهم ثم ( قدموا بهم ) بأمان ذكورا كانوا أو إناثا ، ولا يمنعون من وطء الإناث والرجوع بهم إلى بلادهم عند ابن القاسم في أحد قوليه ، والرواية عنه هكذا إناثهم لا إماؤهم ، وقوله الآخر : إنه تنزع الإناث منهم بقيمتهن دون الذكور . وقال غير ابن القاسم : إنهم ينزعون منهم بقيمتهم وهو الذي عليه أصحاب مالك رضي الله تعالى عنهم وبه العمل ورجحه جماعة .

( وملك ) الحربي سواء قدم بلادنا بأمان حال كفره أم لا ( بإسلامه ) بأرضنا أو بأرضهم ، ثم قدم بلادنا وإلا فسيأتي أن ماله وولده فيء جميع ما غصبه أو نهبه قبل إسلامه ( غير الحر المسلم ) من رقيق ولو مسلما وذمي وأمته لا حر مسلم ولا مسروق ، ولا حبس [ ص: 179 ] محقق كونه حبسا وفي ملكه ما احتمله كفرس في فخذه للسبيل أو في سبيل الله ; لأنه قد يكتب الرجل ذلك ليمنعه من الناس وعدمه قولان ، ولا ما تسلفه من مسلم أو ترتب في ذمته له بشراء أو إجارة منه فيؤخذ منه ولو تعاملا بأرض الحرب ، كما يفيده ما ذكره القرافي من أنه إذا أسلم لزمه كل ما رضي به حال كفره .

( وفديت ) بضم فكسر ( أم الولد ) لحر مسلم أسرها حربي ثم قدم بها أو أسلم فيجب على سيدها فداؤها منه بقيمتها لقربها من الحرية إذ لم يبق فيها إلا الاستمتاع ويسير الخدمة ويدفعها حالة إن كان مليئا ويتبع بها في ذمته إن كان معدما وتقوم قنا ، فإن ماتت هي أو سيدها سقطت قيمتها .

( و ) إن أسلم حربي وبيده مدبر لمسلم بقي بيده إلى موت سيده فإن مات ( عتق المدبر من ثلث ) مال ( سيده ) إن حمله فإن حمل بعضه رق باقيه لمن أسلم عليه ( و ) إن أسلم حربي وبيده ( معتق لأجل ) لمسلم بقي بيده إلى غاية الأجل وعتق ( بعده ) أي الأجل ( ولا يتبعون ) بضم ففتح ففتح ثان أي المدبر الذي عتق جميعه أو بعضه ، والمعتق لأجل الذي عتق بعد الأجل أي لا يتبعهم من أسلم عليهم ( بشيء ) من قيمتهم ; لأنه ليس له إلا خدمتهم إلى موت السيد أو تمام الأجل كمالكهم الأصلي ، وجمع الضمير باعتبار الأفراد أو استعمل ضمير الجمع في اثنين أو باعتبار رجوعه للحر المسلم أيضا .

( و ) إن مات سيد المدبر وعليه دين يستغرق المدبر كله أو بعضه رق مقابل الدين للذي أسلم عليه وعتق ثلث باقيه لتقدم حقه على حق أرباب الديون فيما تستغرقه ديونهم فهو أولى به و ( لا خيار للوارث ) للسيد فيما رق من المدبر بين إسلامه لمن أسلم عليه وفدائه منه بقيمته كماله ، هذا في المدبر الجاني لأن السيد هنا لم يكن له انتزاعه ممن أسلم عليه ، فكذا وارثه وسكت عن المكاتب لوضوح حكمه وهو أنه يؤدي النجوم لمن أسلم عليه ويخرج حرا وولاؤه لسيده الأصلي وإن عجز عن شيء منها رق للذي أسلم عليه ولا شيء لسيده .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث