الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 509 ] وأمرت بانتظاره لبينة قريبة ، ثم لم تسمع بينته إن عجزه قاض مدعي حجة ، وظاهرها القبول إن أقر على نفسه بالعجز

التالي السابق


( و ) إن ادعى رجل على مرأة خلية أنها زوجته وأنكرت ( أمرت ) بضم الهمز وكسر الميم المرأة ( بانتظاره ) أي المدعي وعدم التزوج بغيره ( ل ) حضور ( بينة قريبة ) غيبتها بحيث لا ضرر على المرأة في انتظارها رواه أصبغ ، زاد ويرى الإمام لدعواه وجها بأن تشبه نساءه ، وسواء كانت بينة قطع أو سماع ، فإن أتى بها وشهدت له وسلمت المرأة شهادتها ثبت النكاح وإن لم يأت بها أو بعدت غيبتها فلا تؤمر بانتظاره ، وتتزوج متى شاءت في التوضيح وحيث أمرت بانتظاره فطلبها بحميل بوجهها ليقيم البينة على عينها ، ففي وثائق ابن المنذر وابن العطار وغيرهما يلزمها ذلك . المتيطي والذي جرى به العمل في هذا عند شيوخنا وانعقدت الأحكام عليه جعلها عند امرأة صالحة تتحفظ عليها . ( ثم ) إذا انتظرته ومضى الأجل وعجز عن الإتيان ببينة جاز للحاكم تعجيزه و ( لم تسمع ) بضم الفوقية ( بينته ) التي يأتي بها بعد التعجيز ( إن ) كان ( عجزه ) بفتحات مثقلا أي المدعي ( قاض ) حال كونه ( مدعي حجة ) وذكر مفهوم مدعي حجة لا مقابل قوله ولم تسمع إلخ فقال ( وظاهرها ) أي المدونة ( القبول ) لبينة المدعي التي أقامها بعد تعجيزه ( إن ) كان ( أقر ) المدعي ( على نفسه بالعجز ) عن إقامتها حين تعجيزه ، فكأنه قال فإن أقر على نفسه بالعجز قبلت بينته على ظاهرها ، وهذا على أن التعجيز هو الحكم بعجزه أو برد دعواه بعد تبين لدده . وأما على أنه الحكم بعدم سماع [ ص: 510 ] بينته بعد ذلك فلا تقبل بينته بعد ولو أقر بعجزه ، وهذا هو الراجح كما يأتي في باب القضاء .

والفرق على تسليم ما هنا بين ادعائه حجة وإقراره بعجزه أن الحكم في الأول ببطلان ما يأتي به لادعائه ، وفي الثاني بعجزه أفاده عب . طفي ليس في الرواية تقييد العجز بكونه مدعيا حجة ، وليس قوله إن أقر على نفسه بالعجز من تمام ظاهر المدونة ، ففي الرواية سمع أصبغ ابن القاسم من ادعى نكاح امرأة فأنكرته وادعى بينة بعيدة فلا تنتظره إلا أن تكون بينة قريبة لا يضر بالمرأة انتظارها ، ويرى الإمام لما ادعاه وجها ، فإن عجزه ثم أتى ببينة وقد نكحت المرأة أو لا مضى الحكم .

ابن رشد هذا خلاف سماعه من كتاب الصدقات وظاهر المدونة إذ لم يفرق فيها بين تعجيز الطالب والمطلوب ، وقال يقبل منه القاضي وما يأتي به بعد تعجيزه . وفرق ابن الماجشون بين تعجيزه في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل ، وبين تعجيزه بعد وجوب عمل عليه ثم رجع عليه ، ففي تعجيز المطلوب قولان ، وفي تعجيز الطالب ثلاثة . قيل هذا في القاضي الحاكم لا فيمن بعده من الحكام . وقيل فيهما والخلاف إنما هو إن عجزه القاضي بإقراره على نفسه بالعجز ، وإن عجزه بعد التلوم والأعذار وهو يدعي حجة فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة لأنه رد من قوله قبل نفوذ الحكم عليه . ا هـ . فأشار المصنف بالقيدين لتقييد ابن رشد محل الخلاف ، لكن حرف ذلك ولم يأت به على وجهه لشدة الاختصار ، فأشكل باقتضاء ما ذكره التوفيق بين السماع والمدونة وليس كذلك .

ابن رشد اختلف فيمن أتى ببينة بعد الحكم عليه بالعجز هل تقبل منه أم لا على ثلاثة أقوال ، أحدها : تقبل منه طالبا كان أو مطلوبا إذا كان لذلك وجه وهو ظاهر ما في المدونة . الثاني : لا تقبل منه كان الطالب أو المطلوب . الثالث : تقبل من الطالب ولا تقبل من المطلوب ، وهو ظاهر قول ابن القاسم . وفي المتيطية ابن الماجشون أما كل شيء [ ص: 511 ] لا يكلف فيه المطلوب تحقيقه لنفسه ، وإنما كلفه الطالب فعجز عنه فلا يحكم بقطع دعواه ويترك وتحقيق مطلبه مهما أمكنه ، ولو أتى الطالب بشيء أوجب على المطلوب عملا فأثبت المطلوب ما ينقض ذلك عنه فادعى الطالب دعوى ، واحتج بحجة عجز عن إثباتها بعد ضرب الأجل له فإنه يسجل بعجزه ويحكم بقطع حجته عن المطلوب ، ثم لا ينظر له بعد ذلك حجة ولا بينة لا ذلك القاضي ولا غيره ، ثم قال ومذهب سحنون ترك تعجيز الطالب وأنه متى حقق حقه قضي له به كمذهب ابن الماجشون . وقال في المطلوب متى حكم عليه بعد استقصاء حجته فلا يسمع منه بعده حجة ولا بينة إذا لا تقطع حجة أحد أبدا فلم ضربت له الآجال ووسع عليه إلا لتقطع حجته ، وقال ولا أقول فيه بقول ابن القاسم .

أبو الأصبغ أراد الذي روي عنه في أقضية المدونة من قوله إن أتى بما له وجه قبل منه مثل إتيانه أولا بشاهد عند من لم ير اليمين مع الشاهد ، فوجد بعد الحكم شاهدا آخر . وفي كتاب السرقة مثل أن يظفر ببينة لم يعلمها ، وفي كتاب الصبرة أو يجد من يجرح من حكم عليه بهم فيسمع ذلك منه الحاكم وغيره ، فعلم من هذا أن الحكم هو التعجيز فلا يشترط التلفظ به ، ويجري هذا الحكم عند التلفظ به وعدمه ، وإنما يذكر التعجيز ويكتب لمن سأله تأكيدا للحكم لا إن عدم سماع الحجة متوقف عليه .

وفي التوضيح إذا ذكر له حجة وتبين لدده وقضى عليه فهو التعجيز ، ثم قال في المتيطية والحجة لابن القاسم ومن وافقه على ابن الماجشون ومن تبعه في تعجيز الطالب ما في رسالة القضاء لعمر بن الخطاب رضي الله عنه من قوله اجعل للمدعي أجلا ينتهي إليه ، فإن أحضر بينته أخذ بحقه وإلا وجهه القاضي عليه ، فإن ذلك أجلى للعمار وأبلغ في العذر . البناني قد بان أن المصنف جزم أولا بعدم القبول في محل الاتفاق ، ثم ذكر من محل الخلاف ظاهر المدونة فقط مقتصرا عليه وساكتا عما في الرواية ونبه بنسبته لظاهرها على أنه محل الخلاف والله أعلم .




الخدمات العلمية