الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ومن بادر أجبر له الآخر ، إن بلغ الزوج وأمكن وطؤها ، [ ص: 426 ] وتمهل سنة إن اشترطت لتغربة أو صغر ، وإلا بطل ; لا أكثر ، [ ص: 427 ] وللمرض والصغر المانعين من الجماع [ ص: 428 ] وقدر ما يهيئ مثلها أمرها إلا أن يحلف ليدخلن الليلة [ ص: 429 ] لا لحيض

التالي السابق


( ومن بادر ) من الزوجين بتمكين صاحبه مما في جهته صداقا كان أو دخولا وطلب من الآخر تمكينه مما في جهته فامتنع ( أجبر ) بضم الهمز وسكون الجيم وكسر الموحدة ( له ) أي المبادر ، ونائب فاعل أجبر الزوج ( الآخر ) بفتح الخاء المعجمة على تمكينه مما في جهته صداقا كان أو دخولا بشرطين ، أفادهما بقوله ( إن بلغ الزوج ) الحلم على المشهور لا مجرد إطاقة الوطء لعدم كمال لذتها به وعكسه ( وأمكن وطؤها ) أي الزوجة وليس له سن معين لاختلافه باختلاف أحوال البنات من وفور الجسم ونحافته فلا يشترط بلوغها [ ص: 426 ] الحلم لكمال اللذة بها بدونه متى أمكن وطؤها وبلوغ الزوج شرط في الجبر ، سواء كان طالبا أو مطلوبا ، وإمكان وطئها شرط فيه طالبة كانت أو مطلوبة ، وفي مفهوم هذا تفصيل ، فإن كان عدم إمكانه لصغر أو مرض بلغت به السياق فلا جبر ، وإن كان لمرض لم تبلغ به السياق فالجبر كما في المواق .

وهذا في الصداق غير المعين ، وأما المعين فقد تقدم حكمه . أبو الحسن إن كان الصداق مضمونا فلا تستحق قبضه إلا أن يكون الزوج بالغا وهي في سن من يبنى بها ، وإنما يستحق قبض الثمن عند قبض المثمون إلا تعجيله قبل البناء بقدر ما تتشور فيه به .

( وتمهل ) بضم الفوقية وسكون الميم وفتح الهاء أي الزوجة أي يجبر الزوج الذي بادر بتسليم الصداق وطلب الدخول وهو بالغ وهي مطيقة على إمهالها ( سنة إن اشترطت ) بضم المثناة وكسر الراء أي السنة في العقد سواء كان الشرط من الزوجة أو من أهلها ( لتغربة ) بفتح المثناة وسكون الغين المعجمة وكسر الراء أي إرادة الزوج الانتقال بها لبلد غير بلدها ( أو ) ل ( صغر ) يمكن وطؤها معه بدليل ما بعده ، وهذا كالمستثنى من قوله أجبر الآخر والظاهر لا نفقة لها فيها .

( وإلا ) أي وإن لم تشترط السنة في العقد وذكرت بعده أو اشترطت فيه لغير تغربة وصغر ( بطل ) الشرط فلا يجبر الزوج على التوفية به ، وعطف على سنة بلا فقال ( لا أكثر ) من سنة فيبطل جميع ما اشترط لا الزائدة عن السنة فقط والعقد صحيح قطعا في المدونة قال مالك رضي الله تعالى عنه في التي شرطوا عليه أن لا يدخل بها إلى سنة إن كان لصغر أو لاستمتاع أهلها منها لتغربة بها ، فذلك لازم وإلا بطل الشرط ا هـ ، وفي العتبية سئل عمن تزوج بشرط أن لا يدخل خمس سنين قال بئسما صنعوا والنكاح ثابت وله البناء بها قبل ذلك ، واستشكل ما في المدونة بأن هذا الشرط لم يعلق عليه طلاق ولا غيره ، وكل ما كان كذلك فلا يلزم إذ لا يقتضيه العقد ولا ينافيه كشرط أن [ ص: 427 ] لا يتزوج أو لا يتسرى عليها مثلا ، وفي كلام ابن رشد إشارة إلى جوابه ونصه لما كان البناء قد يحكم بتأخيره إذا دعت الزوجة إليه وإن لم يشترط ألزم مالك رضي الله تعالى عنه الشرط فيما قرب كالسنة لأنها حد في أنواع من العلم كالعيب والخراج والعهدة .

( و ) تمهل ( للمرض ) بها قبل البناء ( والصغر ) بها ( المانعين عن الجماع ) لانقضائهما وإن زاد على سنة وإن لم يشترط فيهما وتبع في المرض ابن الحاجب والذي في المدونة أنها لا تمهل للمرض إلا إذا بلغت السياق ، وقد يقال ما ذكراه هو معنى قولها ومرضه البالغ حده كمرضها ا هـ عب . البناني تبع في الاعتراض على المصنف الحط ونصه وأما إمهال الزوجة للمرض إذا طلبته فذكره المصنف وابن الحاجب ، ولم ينص عليه في المدونة ولا ابن عرفة ، وإنما نص فيها على أن المريضة مرضا يمنع الجماع إذا دعت الزوج إلى البناء والنفقة لزمه ذلك ، قال ومن دعته زوجته إلى البناء والنفقة وأحدهما مريض مرضا لا يقدر معه على الجماع لزمه أن ينفق أو يدخل ، إلا أن يكون مرضا بلغ حد السياق فلا يلزمه ذلك ا هـ ثم قال الحط ولم أطلع الآن على من نص عليه ا هـ .

واعترضه طفي بأمرين أحدهما أنه قصور لنقل المتيطي عن سحنون لا يلزمه الدخول إذا كان مريضا مرضا لا منفعة له فيها معه ، وهي حينئذ كالصغيرة أبو الحسن . اللخمي وهذا أحسن وهو المفهوم من قول مالك رضي الله تعالى عنه ا هـ . قلت وفيه نظر ، فإن الذي لم يطلع عليه الحط هو إمهال الزوجة إذا طلبته لمرضها وليس مسألة المتيطي ، فلا قصور إلا أن يثبت أن كل ما يمهل فيه أحدهما يمهل فيه الآخر . الأمر الثاني أن اعتراضه بكلام المدونة اغترار منه بلفظ التهذيب ، ونص الأم قال مالك رضي الله تعالى عنه إن كان مريضا مرضا يقدر معه على الجماع فيه لزمت النفقة . قلت إن مرضت مرضا لا يقدر فيه الزوج على وطئها ، قال بلغني عن مالك رضي الله تعالى عنه ممن أثق به لها دعاؤه للبناء إلا أن تكون في السياق ولم أسمعه منه . [ ص: 428 ]

عياض ظاهره الخلاف لشرطه أولا إمكان الوطء وعدمه ثانيا . وعليه حمل اللخمي ، وحملها غير واحد من المختصرين على الوفاق . ا هـ . فالمصنف ومتبوعاه لم يخالفوا المدونة بل تبعوا اللخمي في حمل الكلام الذي بلغ ابن القاسم على الخلاف ا هـ . قلت هو وإن تبع اللخمي في حمله على الخلاف ، فإن القول الثاني المقيد بحد السياق أرجح لصراحته ولأن ابن القاسم زاد بعده في الأمهات وهو رأيي كما في أبي الحسن فعلى المصنف درك في مخالفته .

( و ) تمهل ( قدر ما ) أي زمن أو الزمن الذي ( يهيئ ) بضم المثناة الأولى وفتح الهاء وكسر الثانية فهمز أي يجهز ويحضر ( مثلها ) أي الزوجة فاعل يهيئ ( أمرها ) أي الزوجة مفعول يهيئ بشراء وعمل ما تحتاج إليه من متاع البيت ونحوه ، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس من غنى وفقر وحضر وبدو ، وكذا يمهل هو قدر ما يهيئ مثله أمره ولا نفقة لها في زمن التهيئة منها أو منه قاله في النوادر ، فما يكتب في وثيقة النكاح من نحو وفرض لها كذا في نظير نفقتها من يوم تاريخه لا يعتبر إذ لا يلزم شيء من الفرض المذكور إلا بدعائه للدخول بشرطه المذكور ، وتمهل قدر ما يهيئ فيه مثلها أمرها في كل حال .

( إلا أن يحلف ) الزوج ( ليدخلن الليلة ) فيقضى له ارتكابا لأخف الضررين فهذا مستثنى من الإمهال بقدر التهيئة وسواء مطله وليها بالدخول أم لا كان حلفه بطلاق أو عتق أو بالله تعالى على ظاهر إطلاق المصنف تبعا لبعضهم ، إذ حذف المعمول يؤذن بعمومه ، وقد أطلق البرزلي أيضا وقيده بعضهم بحلفه بطلاق أو عتق وبمطل الولي نقله تت عن ابن عرفة وابن غازي ، ولا يعتبر حلف الزوجة على الدخول أو عدمه وحدها أو مع الزوج لأن الحق له ، ولا يقال مقتضى ومن بادر أجبر له الآخر جبره على الدخول إن حلفت ليدخلن عليها الليلة لأنا نقول معنى جبره لها إذا بادرت جبره على دفع حال الصداق لا على الدخول . [ ص: 429 ]

ولا يعارض ما في أحمد أنه يجبر على الدخول أيضا لأنه مقيد بمضي قدر ما يهيئ فيه مثله أمره وكلام المصنف هنا في الدخول قبله . البناني فيه نظر ، فإن إمهاله قدر ما يهيئ أمره إنما هو لسقوط النفقة عنه ، وأما الدخول فلا يجبر عليه إذا دعته له إنما يجبر على إجراء النفقة كما يفيده النص ، فكلام أحمد غير ظاهر ، وكلام المصنف مقيد بما إذا لم يحلف على دخوله الليلة ليطأها وهي حائض ، فإن كان كذلك فلا يمكن من دخوله عليها لحنثه بالمانع الشرعي ، فلا تجبر على تمكينه منه إذ لا يجبر أحد على محرم اتفاقا ، وقوله السابق وفي بره في لأطأنها فوطئها حائضا قولان فيما بعد الوقوع ، وهذا غير قوله .

( لا ) تمهل ( لحيض ) بها أو نفاس أو جنابة بأن وطئها زوجها الأول ومات وهي حامل ، وضعت عقب موته أو اعتدت بالأشهر ولم تغتسل من جنابتها فلا تمهل لاستمتاعه بها بغير الوطء في الحيض والنفاس والجنابة لا تمنع الوطء .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث