الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

( حرف الهمزة )

جزء التالي صفحة
السابق

52 - " أبعد الناس من الله يوم القيامة القاص الذي يخالف إلى غير ما أمر به " ؛ (فر)؛ عن أبي هريرة ؛ (ض).

التالي السابق


(أبعد الناس من الله) ؛ أي: من كرامته؛ ومزيد رحمته؛ من " البعد" ؛ قال الحراني : وهو انقطاع الوصلة في حس؛ أو معنى؛ (يوم القيامة القاص) ؛ بالتشديد؛ أي: الذي يأتي بالقصة؛ من " قص أثره" ؛ اتبعه؛ لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا؛ كما يقال: " تلا القرآن" ؛ إذا قرأه؛ لأنه يتلو؛ أي: يتبع ما حفظ؛ آية بعد آية؛ كما في الكشاف؛ وقال الحراني : " القص" : تتبع أثر الوقائع؛ والأخبار؛ يبينها شيئا بعد شيء؛ على ترتيبها؛ في معنى " قص الأثر" ؛ وهو اتباعه حتى ينتهي إلى محل ذي أثر؛ (الذي يخالف إلى غير ما أمر به) ؛ ببناء " أمر" ؛ للفاعل؛ أي: الذي يخالف قوله فعله؛ ويعدل إلى غير ما أمر به الناس من التقوى والاستقامة؛ ويمكن بناؤه للمفعول؛ والفاعل الله؛ أي: الذي يخالف ما أمر الله به؛ من مطابقة فعله لقوله؛ وذلك لجرأته على الله بتكذيب فعله؛ لقوله: " كبني إسرائيل؛ لما قصوا أهلكوا" ؛ أي: تكلموا على القول؛ وتركوا العمل؛ فأهلكوا؛ والمراد هنا من يعلم الناس العلم؛ ولا يعمل به؛ ومن خصه بالواعظ فقد وهم؛ ومن هو كذلك لا ينتفع بعلمه غالبا؛ ولا بوعظه؛ إذ مثل المرشد من المسترشد كمثل العود من الظل؛ فمتى يستوي الظل والعود أعوج؟!


لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم



أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ؛ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ؛ أوحى الله (تعالى) إلى عيسى ابن مريم: " عظ نفسك؛ فإن اتعظت فعظ الناس؛ وإلا فاستحي مني" ؛ وقال مالك بن دينار : " إذا لم يعمل العالم بعلمه؛ زلت موعظته من القلوب؛ كما يزل القطر من الصفا:


يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ...     إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها



وقال عمر لمن سأله عن القص: " اخش أن تقص؛ فترتفع في نفسك؛ ثم تقص فترتفع؛ حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا؛ فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة" ؛ رواه أحمد بسند رجاله موثقون؛ فحق الواعظ أن يتعظ بما يعظ؛ ويبصر ثم يبصر؛ ويهتدي ثم يهدي؛ ولا يكون دفترا يفيد ولا يستفيد؛ ومسنا يشحذ ولا يقطع؛ بل يكون كالشمس التي تفيد القمر الضوء؛ ولها أفضل مما تفيده؛ وكالنار التي تحمي الحديد؛ ولها من الحمي أكثر؛ ويجب ألا يجرح مقاله بفعله؛ ولا يكذب لسانه بحاله؛ فيكون ممن وصفه الله (تعالى) بقوله: ومن الناس من يعجبك قوله ؛ الآية؛ فالواعظ ما لم يكن مع مقاله فعال؛ لم ينتفع به؛ إذ عمله مدرك بالبصر؛ وعلمه مدرك بالبصيرة؛ وأكثر الناس أهل أبصار؛ لا بصائر؛ فيجب كون عنايته بإظهار ما يدركه جماعتهم أكثر؛ ومنزلة الواعظ من الموعوظ كالمداوي من المداوى؛ فكما أن الطبيب إذا قال للناس: لا تأكلوا كذا؛ فإنه سم؛ ثم رأوه يأكله؛ عد سخرية وهزوا؛ كذا الواعظ إذا أمر بما لم يعمله؛ ومن ثم قيل: " يا طبيب طبب نفسك" ؛ فالواعظ من الموعوظ يجرى مجرى الطابع من المطبوع؛ فكما يستحيل انطباع الطين من الطابع بما ليس منتقشا فيه؛ فمحال أن يحصل في نفس الموعوظ ما ليس في نفس الواعظ؛ وقيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه؛ ومن وعظ بفعله نفذت سهامه؛ وقيل: عمل رجل في ألف رجل؛ أبلغ من قول ألف رجل في رجل؛ قال ابن قتيبة : والحديث ورد سدا لباب الفساد من الزنادقة؛ احتيالا على الطعن في الدين؛ فإن القاص يروي مناكير وغرائب يميل بها وجوه الناس إليه؛ وشأن العامة القعود عند من كان حديثه عجيبا؛ انتهى؛ وبذلك عرف أن القص منه ما هو مذموم؛ وهو ما اشتمل على محذور مما ذكر؛ وما هو محمود؛ وهو التذكير بآلاء الله وآياته وأفعاله؛ مع العمل بقضية ذلك؛ قال الغزالي: أخرج علي - رضي الله (تعالى) عنه - القصاص من مسجد البصرة؛ إلا الحسن؛ لكونه سمعه يتكلم بالتذكير بالموت؛ والتنبيه على عيوب النفس؛ وآفات الإهمال؛ وخواطر الشيطان؛ ويذكر بآلاء الله ونعمائه؛ وتقصير العبد في شكره؛ ويعرف بحقارة الدنيا [ ص: 79 ] وعيوبها وتصرمها؛ وخطر الآخرة وأهوالها؛ فهذا القص محمود إجماعا؛ وهذا القاص محله عند الله عظيم؛ روي أن يزيد بن هارون مات؛ وكان واعظا زاهدا؛ فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي؛ وأول ما قال لي منكر ونكير: " من ربك؟" ؛ قلت لهما: أما تستحيان من شيخ دعا إلى الله كذا وكذا سنة؟! قالوا: وأول من قص تميم الداري ؛ في زمن عمر ؛ بإذنه؛ وهذه الأولية بالنسبة إلى الأمة المحمدية؛ روي أن موسى قص في بني إسرائيل؛ فمزق بعضهم ثوبه؛ فأوحى الله إليه: " قل له: مزق قلبك؛ ولا تمزق ثوبك" ؛ وإنما قال في الحديث: " أبعد الناس" ؛ لم يقل: " الخلق" ؛ لظهور معنى النوس على أفعاله؛ لاضطرابه في مخالفة قوله فعله؛ و" النوس" : حركة الشيء الخفيف المعلق في الهواء.

(تنبيه) : أخذ جمع من هذا الحديث وما في معناه أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف؛ وينهى عن المنكر؛ والجمهور على أنه له؛ بل عليه ذلك؛ لأنه مأمور بأمرين؛ ترك المعصية؛ والمنع للغير من فعلها؛ والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر؛ ولذلك أدلة من الكتاب والسنة.

(فر؛ عن أبي هريرة ) ؛ رمز المؤلف لضعفه؛ وسببه أن فيه عمر بن بكر السكسكي؛ أورده الذهبي في الضعفاء؛ وقال ابن عدي : له مناكير؛ واتهمه ابن حبان بالوضع.


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث