الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة الأولى الشرط الأول أن يكون الموهوب له مسلما حرا ، جائز التصرف

المبحث الثالث: شروط الموهوب له

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الشرط الأول: أن يكون الموهوب له مسلما حرا، جائز التصرف وفيها أمور:

الأمر الأول: الهبة للمشركين:

تشرع الهبة للمسلم بالإجماع; لما تقدم من الأدلة.

سواء كانت من مسلم أو كافر، ما لم تتضمن محذورا شرعيا كما تقدم.

واستحب بعض العلماء رد هدايا المشركين; لقوله تعالى: فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36 ) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون قال السمعاني: "قال أهل العلم: وقد كان الأنبياء لا يقبلون هدايا المشركين".

وقال الألوسي: "واستدل بالآية على استحباب رد هدايا المشركين".

[ ص: 370 ] يجاب عن هذا بجوابين:

الأول: أنها في شرع من قبلنا، وقد خالفه شرعنا; فإن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدايا المشركين، ومن ذلك:

(170 ) 1 - قال البخاري: وقال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "هاجر إبراهيم عليه السلام بسارة، فدخل قرية فيها ملك أو جبار، فقال: أعطوها آجر، وأهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم".

(171 ) 2 - قال البخاري: "وقال أبو حميد: "أهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء، وكساه بردا، وكتب له ببحرهم".

(172 ) 3 - ما رواه البخاري من طريق قتادة، حدثنا أنس رضي الله عنه قال: أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها، فقال: "والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا"، وقال سعيد: عن قتادة، عن أنس: إن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

(173 ) 4 - ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه "أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم".

(174 ) 5. ما رواه البخاري من طريق المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومئة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل مع أحد منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بيعا أم عطية، أو قال: أم هبة، قال: لا، بل بيع، فاشترى [ ص: 371 ] منه شاة، فصنعت، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسواد البطن أن يشوى، وأيم الله ما في الثلاثين والمئة إلا قد حز النبي صلى الله عليه وسلم له حزة من سواد بطنها إن كان شاهدا أعطاها إياه، وإن كان غائبا خبأ له، فجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، ففضلت القصعتان، فحملناه على البعير، أو كما قال".

الثاني: أن سليمان ردها لتضمنها محذورا شرعيا، وهو مصانعتهم في الدعوة إلى الله.

وأما الهبة للمشركين، فاختلف فيها العلماء رحمهم الله على قولين: القول الأول: تجوز الهبة لغير الحربي.

وهو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله.

ونص الحنابلة: على أنه تحرم مهاداتهم في أعيادهم.

ونصوا أيضا: على أنه يكره عمل ما يجلب المودة لهم.

ودليلهم:

1 - قوله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم (175 ) 2 - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: "قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك".

[ ص: 372 ] (176 ) 3 - ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد، فقال: "إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم منها بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟! قال: إني لم أكسكها لتلبسها، تبيعها أو تكسوها، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم".

القول الثاني: تجوز الهبة للمشرك، ولو كان حربيا.

وهو قول بعض الحنفية.

واستدلوا على ذلك: بالأحاديث السابقة.

ونوقش هذا الاستدلال: بأنها مخصوصة بغير الحربي; لقوله تعالى:

إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون .

الترجيح:

الراجح - والله أعلم - عدم جواز الهبة للحربي; إذ الحربي محارب لنا فلا يستحق الإحسان.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث