الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : فإذا ثبت ما وصفنا من جواز الوصية دون وجوبها فالوصية تشتمل على أربعة شروط وهي : موص ، وموصى له ، وموصى به ، وموصى إليه .

فأما الفصل الأول وهو الموصي ، فمن شرطه أن يكون مميزا ، حرا ، فإذا اجتمع فيه هذان الشرطان صحت وصيته في ماله مسلما كان أو كافرا .

فأما المجنون : فلا تصح وصيته لأنه غير مميز ، وأما الصبي فإن كان طفلا غير مميز فوصيته باطلة ، وإن كان مراهقا ففي جواز وصيته قولان : أحدهما لا يجوز ، وبه قال أبو حنيفة واختاره المزني لارتفاع القلم عنه كالمجنون ، ولأن الوصية عقد فأشبهت سائر العقود ، والقول الثاني وبه قال مالك : أن وصيته جائزة لرواية عمرو بن سليم الزريقي ، قال : [ ص: 190 ] سئل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن غلام يبلغ من غسان أوصى لبنت عمه وله عشر سنين ، وله وارث ببلد آخر ، فأجاز عمر - رضي الله عنه - وصيته ، ولأن المعنى الذي لأجله منعت عقوده هو المعنى الذي لأجله أمضيت وصيته : لأن الحظ له في منع العقود : لأنه لا يتعجل بها نفعا ولا يقدر على استداركها إذا بلغ ، والحظ له في إمضاء الوصية : لأنه إن مات فله ثوابها وذلك أحظى له من تركه على ورثته ، وإن عاش وبلغ ، قدر على استداركها بالرجوع فيها ، فعلى هذا لو أعتق في مرضه أو حابى أو وهب ففي صحة ذلك وجهان :

أحدهما : أنه صحيح ممضي : لأن ذلك وصية تعتبر في الثلث .

والوجه الثاني : أنه باطل مردود : لأن الوصية يقدر على الرجوع فيها إن صح ، والعتق والهبة لا يقدر على الرجوع فيهما إن صح .

فأما وصية المحجور عليه بسفه ، فإن قيل بجواز وصية الصبي ، فوصية السفيه أجوز ، وإن قيل ببطلان وصية الصبي ، كانت وصية السفيه على وجهين ، لاختلافهم في تعليل وصية الصبي ، فإن علل في إبطال وصيته بارتفاع القلم عنه جازت وصية السفيه لجريان القلم عليه ، وإن علل في إبطال وصية الصبي بإبطال عقوده ، بطلت وصية السفيه لبطلان عقوده . وأما المحجور عليه بالفلس ، فإن ردها الغرماء بطلت ، وإن أمضوها جازت ، فإن قلنا : إن حجر الفلس كحجر المرض صحت ، وإن قلنا إنه كحجر السفيه كانت على وجهين .

وأما العبد فوصيته باطلة ، وكذلك المدبر وأم الولد والمكاتب : لأن السيد أملك منهم لما في أيديهم .

فأما الكافر فوصيته جائزة ، ذميا كان أو حربيا ، إذا وصى بمثل ما وصى به المسلم .

فأما الفصل الثاني : في الموصى له .

فتجوز الوصية لكل من جاز الوقف عليه من صغير وكبير ، وعاقل ومجنون ، وموجود ومعدوم ، إذا لم يكن وارثا ولا قاتلا .

فأما الوارث فلقوله - عليه السلام - : لا وصية لوارث ولو وصى لأحد ورثته كان في الوصية قولان : أحدهما : باطلة إذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى إلا أن يستأنفه الورثة الباقون هبتها له بعد إحاطة علمهم بما يبذل منهم وقبول منه ، وقبض تلتزم به الهبة كسائر الهبات ، فتكون هبة محضة لا تجري فيها حكم الوصية ، وهذا قول المزني .

والثاني : أنها موقوفة على إجازة الباقين من الورثة ، كالوصية بما زاد على الثلث ، فإن أجازها الباقون من الورثة صحت ، وإن ردوها رجعت ميراثا وكان الموصى له به كأحدهم ، يأخذ فرضه منها ، وإن أجازها بعضهم وردها بعضهم صحت الوصية في حصة من [ ص: 191 ] أجازه ، وكان الموصى له في الباقي منها وارثا مع من رده ، ثم هل تكون إجازتهم على هذا القول ابتداء عطية منهم ، أو إمضاء ؟ على قولين .

وعلى كلا القولين لا تفتقر إلى بذل وقبول ، بخلاف القول الأول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث