الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل : [ حكم مال الفيء ]

وأما مال الفيء وهي الأموال الواصلة من المشركين بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب ، كالذي انجلى عنه المشركون خوفا ورعبا ، كالأموال التي صالحونا بها عن أنفسهم وديارهم وأموالهم استكفافا وتورعا والمأخوذة من عشور أموالهم إذا دخلوا علينا تجارا ، والجزية التي نقرهم بها في دارنا وقال : والخراج المضروب على أراضيهم ، والأرضين المأخوذة عفوا منهم وقال : من مات في دارنا ولا وارث له منهم ، كل ذلك فيء ؛ لأنه واصل بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب ، هذا هو المنصوص عليه من مذهب الشافعي في الجديد ، وله في القديم قول آخر : أن الفيء في جميع ذلك ما انجلى عنه المشركون من ذلك خوفا ورعبا ، لقوله تعالى : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول [ الحشر : 7 ] وما سواه من الجزية والخراج وعشور تجارتهم وميراث من مات منهم لا يكون فيئا ويكون مصروفا في المصالح ولا يخمس ، والقول الأول من قوله أصح ، لاستواء جميعهما في الوصول إلينا بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب ، وإذا كان جميع ذلك فيئا فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدر الإسلام يملك جميع الفيء كما ملك جميع الغنيمة ، ولذلك ملك أموال بني النضير ، فكانت مما أفاء الله - عز وجل - عليه لم يشاركه فيها أحد وصارت من صدقاته التي تصدق بها إلى أن أنزل الله تعالى : [ ص: 389 ] ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين [ الحشر : 7 ] الآية ، فاختلف الناس حينئذ ، فيما استقر حكم الفيء عليه على ثلاثة مذاهب :

أحدهما وهو قول أبي حنيفة : أن مال الفيء مصروف في وجوه المصالح ولا يخمس ، استدلالا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصرفه فيها .

والثاني وهو قول مالك : أن مال الفيء مقسوم على خمسة أسهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها سهم كأحد أهل الخمس ولا يختص بأربعة أخماسه ، استدلالا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : " ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم " .

والثالث وهو مذهب الشافعي - رضي الله عنه - : أن خمسه مقسوم على خمسة ، منها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهم ، وأربعة أخماسه له خاصة ، فيكون جميع مال الفيء مقسوما على خمسة وعشرين سهما ، منها أحد وعشرون سهما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأربعة أسهم هي لأربعة أصناف هم ذوو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .

والدليل على ذلك قوله تعالى : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين فأضاف الله تعالى الفيء إلى رسوله كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين ، ثم استثنى من استثناه في سهم الغانمين ، فوجب أن يكون إطلاق ما جعل له من الفيء محمولا على المقدار المجعول لهم من الغنيمة وهو الخمس ويكون الباقي بعده لمن أضاف المال إليه وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما كان الباقي من الغنيمة لمن أضافها إليه وهم الغانمون .

وروى الشافعي قال : سمعت ابن عيينة يحدث عن الزهري أنه سمع مالك بن أوس بن الحدثان يقول : سمعت عمر بن الخطاب والعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب يختصمان إليه في أموال النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالصا دون المسلمين ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفق منها على أهله نفقة سنة فما فضل منها جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله ، ثم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوليهاأبو بكر - رضي الله عنه - بمثل ما وليها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم وليتها بمثل ما وليها رسول - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ، ثم سألتماني أن أوليكماها فوليتكماها على ألا تعملا فيها إلا بمثل ما وليها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ، ثم وليتماها ثم جئتماني تختصمان ، أتريدان أن أدفع إلى كل واحد منكما نصفا ، أتريدان مني قضاء غير ما قضيت بينكما أولا ؟ فلا والذي بإذنه تقوم السماوات والأرض ، لا أقضي بينكما قضاء غير هذا ، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي أكفيكماها .

[ ص: 390 ] فوجه الدلالة أن هذا الخبر يقتضي كل مرة بأن جميع الفيء ملك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وظاهر الآية تدل على أن كل الفيء مقسوم على خمسة فاقتضى الجمع بينهما أن يكون معنى الخبر أن أربعة أخماسه خالص لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومعنى الآية أن خمسه مقسوم على خمسة حتى يستعمل على وجه لا يتنافيا ولا يسقط واحد منهما بالآخر ، ثم يدل على أبي حنيفة أن ما يملك من المشركين لم يكن جميعه خمسا كالغنيمة ، ثم يدل عليها أنه لما كان أربعة أخماس الغنيمة ملكا للغانمين للوصول إليها بالرعب من المقاتلة وجب أن يكون أربعة أخماس الفيء ملكا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - للوصول إليه بالرعب منه ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : نصرت بالرعب فالعدو يرهبني مسيرة شهر أو شهرين .

فأما الجواب عن استدلال أبي حنيفة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصرف ذلك في المصالح ، فهو أن أمواله كان يصرفها في طاعة الله ولا يدل لقربه إلى الله تعالى بها على أنه غير مالك لها .

وأما الجواب عن استدلال مالك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما لي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس فهو أنه محمول على الغنيمة دون الفيء ؛ لأنه أضاف ذلك إلينا ، والغنيمة هي المضافة إلينا ، فأما الفيء فهو مضاف إليه لا إلينا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث