الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة ترد حصة من لم يوجد من أهل السهمان على من وجد منهم

مسألة : قال الشافعي : " والعاملون عليها ، من ولاه الوالي قبضها ومن لا غنى للوالي عن معونته عليها وأما الخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي لا يلي قبض الصدقة ، وإن كانا من القائمين بالأمر بأخذها ، فليسا عندنا ممن له فيها حق ؛ لأنهما لا يليان أخذها . وشرب عمر - رضي الله عنه - لبنا فأعجبه فأخبر أنه من نعم الصدقة فأدخل إصبعه فاستقاءه . ( قال ) ويعطى العامل بقدر غنائه من الصدقة وإن كان موسرا : لأنه يأخذه على معنى الإحازة " .

قال الماوردي : وقد ذكرنا أن سهم العاملين على الصدقات ثابت إذا تولوا قبضها وتفريقها وساقط منها إذا تولى رب المال بنفسه ، فإن قال رب المال المتولي لتفريق زكاته أنا آخذ سهم العاملين لنفسي للقيام بالعمل في التفرقة مقام العاملين لم يجز : لأن العامل من ولاه الإمام قبضها وتفريقها نيابة عن أهل الصدقات ، ورب المال إنما هو نائب عن نفسه : لأنه لا [ ص: 494 ] يجوز أن يكون وكيلا عليها لغيره ، وإذا كان هكذا لم يخل حال رب المال إذا دفع زكاة ماله إلى الوالي من ثلاثة أحوال :

أحدها : أن يدفعها إلى الإمام الذي هو الخليفة على الأمر .

والثاني : أن يدفعها إلى والي الإقليم الناظر في جميع أموره .

والثالث : أن يدفعها إلى العامل الذي ولاه الإمام قبضها وجعل نظره مقصورا عليها ، فإن تولاه الإمام سقط منها سهم العاملين عليها : لأن ولاية الإمام عامة قد أخذ رزقه عليها من بيت المال ، فلم يجمع له بين رزقين على عمل واحد ، ولما روى الشافعي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رجلا أتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بلبن فشربه فأعجبه فقال من أين لك هذا ؟ فقال مررت بلقاح الصدقة فأعطونيه فجعلته في سقائي ، فاستقاءه عمر - رضي الله عنه - فدل على أنه يحرم عليه مال الصدقة ؛ ولذلك لم يستبقه في جوفه .

فإن قيل : فما تأثير استقائه بعد استهلاكه ومن أكل حراما لم يلزمه أن يستقيئه ؟

قيل في استقائه لذلك ثلاثة أمور :

أحدها : أن يعلم الناس تحريم الصدقات على الإمام .

والثاني : أن من أخذ ما لا يحل له من مغصوب وغيره فتغير في يده لم يملكه ، بخلاف ما قال أبو حنيفة .

والثالث : لئلا يستديم الاغتذاء والانتفاع بحرام ، وهكذا لو تولى قبض الصدقات وتفريقها والي الإقليم سقط منها سهم العاملين : لأنهم في عموم ولايته على ذلك الإقليم الذي قد ارتزق على عمله فيه جار مجرى الإمام .

فأما إذا اختص لعامل بقبض الزكاة تفريقها ثبت فيها حينئذ سهم العاملين عليها ليكون مصروفا إلى العامل وأعوانه فيها ؛ وإذا كان كذلك وجب أن يوصف من يجوز أن يكون عاملا فيها بها في القبض والتفرقة وهو من تكاملت فيه ست خصال :

إحداها : البلوغ : لأن الصغر لا يصح معه قبض ولا تقبيض .

والثانية : العقل الذي يصح التمييز به .

والثالثة : الحرية .

والرابعة : الإسلام : لأن الكفر يمنع من الولاية على مسلم لقوله تعالى : لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء [ الممتحنة : آية 1 ] وقدم أبو موسى الأشعري من البصرة على عمر بحساب استحسبه عمر ، فقال : من عمل هذا ؟ فقال : كاتبي ، فقال : أين هو ؟ قال : هو على باب المسجد ، قال : أجنب هو ؟ قال : لا ولكنه ذمي ، فأمره بعزله وقال : لا تأمنوهم إذ خونهم الله تعالى ولا تقربوهم إذ بعدهم الله .

[ ص: 495 ] والخامس : الأمانة : لأنها بيانه ليقصد بها حفظ المال على غير المستنيب ، فأشبه ولي اليتيم الذي إن خيفت خيانته سقطت ولايته .

والسادسة : الفقه بأحكام الزكوات فيما تجب فيه من الأموال وما لا تجب ، وفي مقاديرها وقدر الحق فيها وأوصاف مستحقيها ومبلغ استحقاقهم منها لئلا يكون جاهلا بما هو موكول إلى نظره ، فلا يصح تقليده كالحاكم إذا كان جاهلا ، وليس يلزم من عامل الصدقة أن يكون فقيها في جميع الأحكام : لأن ولاية الحاكم جامعة فاحتاج أن يكون عالما بجميع الأحكام ، وولاية عامل الصدقات مخصوصة ، فلا يحتاج إلى أن يكون عالما ، يعني : أحكامها ، فإذا تكاملت فيه هذه الخصال الستة جاز أن يكون عاملا عليها ، وسواء كان رجلا أو امرأة ، وإن كرهنا تقليد النساء لذلك لما عليهن من لزوم الخفر : لأن المرأة لما جاز أن تلي أموال الأيتام جاز أن تلي أموال الصدقات ، فأما أعوان العامل من كتابه وحسابه وجباته ومستوفيه فأجورهم من سهم العاملين لعملهم فيها ، ولا يلزم اعتبار الحرية والفقه فيهم ، لأنهم خدم فيها مأمورون ويلزم اعتبار الخصال الأربعة من البلوغ والفضل والإسلام والأمانة .

وأما الرعاة والحفظة لها بعد قبضها ففي أجورهم وجهان :

أحدهما : أنها من سهم العاملين عليها .

والثاني : من أصل الصدقات ، فأما أجرة الحمالين والنقالين فإن كانت عند أخذ ذلك من أرباب الأموال ففيها وجهان : كالرعاة والحفظة ، وإن كانت لحملها لأهل الصدقات فأجورهم في أموال الصدقات وجها واحدا .

وأما أجور الكيالين والوزانين والعدادين فعلى وجهين :

أحدهما وهو قول أبي علي بن أبي هريرة : إنها على أرباب الأموال : لأن ذلك من حقوق التسليم والتمكين فأشبه أجرة الكيال والوزان في المبيع ، يختص بها البائع دون المشتري .

والوجه الثاني وهو قول أبي إسحاق المروزي إنها في سهم العاملين ، والفرق بين هذا وبين البيع أن البيع مكيل في حق البائع وهذا مكيل في حق أهل السهمان ، فصار ما يلزم من أجور العمل في أموال الصدقات تنقسم أربعة أقسام :

أحدها : ما كان في سهم العاملين من الصدقات وهو العامل وأعوانه .

والثاني : ما كان في أموال الصدقات من غير سهم العاملين ، وهو أجور الحمالين والنقالين إلى أهل الصدقات .

والثالث : ما كان على أرباب الأموال في أحد الوجهين ومن سهم العاملين في الوجه الثاني وهو أجرة الكيال والوزان .

والقسم الرابع : ما اختلف أصحابنا فيه وهو أجرة الرعاة والحفظة ، فأحد الوجهين أنه من سهم العاملين .

[ ص: 496 ] والثاني : من مال الصدقات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث