الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إظهار دين النبي على الأديان كلها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 275 ] باب إظهار دين النبي على الأديان كلها من كتاب الجزية

قال الشافعي : - رحمه الله تعالى - : قال الله تعالى : ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . وروي مسندا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ، ( وقال ) : ولما أتى كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى كسرى مزقه فقال - صلى الله عليه وسلم - : يمزق ملكه قال : وحفظنا أن قيصر أكرم كتابه ووضعه في مسك فقال - صلى الله عليه وسلم - يثبت ملكه ( قال الشافعي ) - رحمه الله - : ووعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس فتح فارس والشام ، فأغزى أبو بكر الشام على ثقة من فتحها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ففتح بعضها وتم فتحها في زمن عمر ، وفتح عمر - رضي الله عنه - العراق وفارس ( قال الشافعي ) - رحمه الله تعالى - : فقد أظهر الله دين نبيه - صلى الله عليه وسلم - على سائر الأديان بأن أبان لكل من تبعه أنه الحق وما خالفه من الأديان فباطل ، وأظهره بأن جماع الشرك دينان : دين أهل الكتاب ، ودين الأميين فقهر النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمتين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها ، وقتل منأهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعض الجزية صاغرين ، وجرى عليهم حكمه - صلى الله عليه وسلم - قال : فهذا ظهوره على الدين كله ، قال : ويقال ويظهر دينه على سائر الأديان حتى لا يدان لله إلا به ، وذلك متى شاء الله ( قال ) : وكانت قريش تنتاب الشام انتيابا كثيرا ، وكان كثير من معاشهم منه ، وتأتي العراق ، فلما دخلت في الإسلام ذكرت للنبي - صلى الله عليه وسلم - خوفها من انقطاع معاشها بالتجارة من الشام والعراق إذا فارقت الكفر ودخلت في الإسلام ، مع خلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، فلم يكن بأرض العراق كسرى ثبت له أمر بعده ، وقال إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، فلم يكن بأرض الشام قيصر بعده وأجابهم - عليه الصلاة والسلام - على نحو ما قالوا وكان كما قال - عليه السلام - وقطع الله الأكاسرة عن العراق وفارس وقيصر ومن قام بعده بالشام ، وقال في قيصر : يثبت ملكه ، فثبت له ملكه ببلاد الروم ، وتنحى ملكه عن الشام وكل هذا متفق يصدق بعضه بعضا " .

[ ص: 276 ] قال الماوردي : وهذا الباب أورده الشافعي ، وليس من الفقه ، ليوضح به صدق الله تعالى في وعده ، وصدق رسوله في خبره ، ليرد به على من ارتاب بهما ، فصار تاليا للسير .

فأما كتاب الله تعالى ، فقال : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، [ التوبة : 33 ] . أما قوله : بالهدى ودين الحق ففيه ثلاث تأويلات :

أحدها : أن الهدى هو دين الحق ، وإنما جمع بينهما لتغاير لفظيهما ، ليكون كل واحد منهما تفسيرا للآخر .

والتأويل الثاني : معناه أنه أرسله بالهدى إلى دين الحق : لأن الرسول هاد ، والقرآن هداية ، والمأمور به هو دين الحق .

والتأويل الثالث : أن الهدى هو الدليل ، ودين الحق هو المدلول عليه .

وأما قوله : ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون [ التوبة : 33 ] . فقد دفعه المتشككون في أديانهم ، وقالوا : قد بقيت أطراف الأرض من الروم ، والترك ، والهند ، والزنج ، وغيرهم من الأمم القاصية ، ما أظهر دينه على أديانهم ، فلم يصح هذا الموعد .

والجواب عن هذا القدح : أن أهل التأويل قد اختلفوا في هاء الكناية التي في قوله : ليظهره على الدين كله إلى ماذا تعود ؟ على ثلاثة أوجه :

أحدها : أن تعود إلى الهدى .

والثاني : أنها تعود إلى دين الحق وحده .

والثالث : أنها تعود إليهما ، وهو الأظهر .

فأما الهدى ففي معنى إظهاره ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه إظهار دلائله ، وحججه ، وقد حقق الله فعل ذلك ، فإن حجج الإسلام أظهر ودلائله أقهر .

والوجه الثاني : أنه إظهار رسوله صلى الله عليه وسلم وقد حقق الله تعالى ذلك ، فإنه ما حارب قوما إلا انتصف منهم ، وظهر عليهم .

والوجه الثالث : أنه بقاء إعجازه ما بقي الدهر ، فإن معجزة القرآن باقية على مرور الأعصار ، ومعجزة موسى فلق البحر ، وعيسى في إحياء الموتى ، منقطع لم يبق .

وأما الدين ، ففي إظهاره على الدين كله ثلاثة أوجه :

[ ص: 277 ] أحدها : أن إظهاره هو انتشار ذكره في العالمين ، ومعرفة الخلق به أجمعين ، وهذا موجود : لأنه لم يبق في أقطار الأرض أمة إلا وقد علمت بدين الإسلام ، ودعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - إليه ، وهو بالحجاز ، وهو أحد التأويلات في قوله تعالى : ورفعنا لك ذكرك ، [ الشرح : 4 ] .

والوجه الثاني : أن إظهاره هو علوه على الأديان كلها ، فهو طالب وغيره مطلوب ، وقاهر وغيره مقهور ، وغانم وغيره مغنوم ، وزائد وغيره منقوص ، وهذا ظاهر موجود ، قال صلى الله عليه وسلم : الإسلام يعلو ولا يعلى ، ويزيد ولا ينقص .

والوجه الثالث : أن إظهاره على الأديان كلها سيكون عند ظهور عيسى ابن مريم ونزوله من السماء حتى لا يعبد الله تعالى بغيره من الأديان كما قال تعالى : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ، [ النساء : 159 ] . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : زويت لي الأرض ، فأريت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ، ومعنى زويت : أي جمعت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث