الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا استقر ما ذكرنا من حدود السواد ومساحة أراضيه وقدر مزروعه وفضل ما بينه وبين العراق ، فقد اختلف العلماء في فتحه هل كان عنوة أو صلحا : فقدم الشافعي من الحجاز إلى العراق ، وأهل العراق أعلم بفتوح سوادهم من أهل الحجاز ، فسألهم عنه فاختلفوا عليه ، فروى بعضهم أن السواد فتح صلحا .

                                                                                                                                            وروى له بعضهم أن السواد فتح عنوة .

                                                                                                                                            وروى له آخرون أن بعض السواد فتح صلحا ، وبعضه فتح عنوة .

                                                                                                                                            فلما اختلفوا عليه في النقل والرواية نظر أثبت ما رووه من الأحاديث ، وأصحها ، فكان حديث جرير بن عبد الله البجلي .

                                                                                                                                            [ ص: 258 ] قال الشافعي : أخبرنا الثقة يعني : أبا أسامة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله البجلي قال : كانت بجيلة ربع الناس ، فقسم لهم ربع السواد ، فاستغلوه ثلاثا - أربع سنين - شك الشافعي - فقدمت على عمر ، ومعي فلانة بنت فلان - امرأة منهم قد سماها ، ولم يحضرني ذكر اسمها - فقال عمر : " لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما قسم لكم ، ولكن أرى أن تردوا على الناس " . قال الشافعي : " وكان في حديثه وعافني من حقي نيفا وثمانين دينارا ، وفي الحديث : فقالت فلانة : قد شهد أبي القادسية ، وثبت سهمه ، ولا أسلم حتى تعطيني كذا وكذا ، فأعطاها إياه .

                                                                                                                                            وروى غير الشافعي ، فقالت أم كرز : لا أنزل عن حقي حتى تحملني على ناقة ذلول ، عليها قطيفة حمراء ، وتملأ كفي ذهبا ، ففعل ذلك بها ، فكان ما أعطاها من العين ثمانين دينارا ، فمن ذهب إلى أن السواد فتح صلحا ، فقد أشار الشافعي إليه في كتاب قسم الفيء ، واستدل بهذا الحديث من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن عمر انتزعه من أيدي الغانمين حين علم بحصوله معهم ، ولو كان عنوة لكان غنيمة لهم ، ولم يجز انتزاعه منهم .

                                                                                                                                            والثاني : قول عمر : لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما قسم لكم ، فدل على أنه انتزعه منهم بحق لم يستجز تركه معهم ، وهذا حكم الصلح دون العنوة .

                                                                                                                                            وذهب الشافعي إلى أن فتح السواد عنوة ، وهو الذي نص عليه في هذا الموضع المنقول عنه في أكثر كتبه .

                                                                                                                                            والدليل عليه من هذا الحديث خمسة أوجه :

                                                                                                                                            أحدها : أنه أقر السواد في أيدي الغانمين ثلاث سنين ، أو أربع يستغلونه ، ولم ينتزعه منهم ، ولو لم يكن لهم فيه حق الغنيمة لم يستجز تركه عليهم هذه المدة .

                                                                                                                                            والثاني : أنهم اقتسموه قسمة الغنائم حتى صار لبجيلة ، وهم ربع الناس ربع السواد ، وما اقتسموه إلا بأمر عمر ، وعن علمه : لأنه من الأمور العامة والفتوح العظيمة التي لا يستبد الجيش فيها بآرائهم إلا بمطالعته ، وأمره .

                                                                                                                                            والثالث : أنهم لو تصرفوا فيه بغير حق لاسترد منهم ما استغلوه : لأنه يكون لكافة المسلمين دونهم .

                                                                                                                                            والرابع : أنه عاوض من لم يطب نفسا بالنزول عن سهمه بعوض دفعه إليهم ، جرى عليه حكم الثمن حتى أعطىجريرا ، وأم كرز ما أعطى ، وهو لا يبذل من مال المسلمين إلا في حق .

                                                                                                                                            [ ص: 259 ] والخامس : أنه استطاب نفوسهم عنه ، ولو كانت أيديهم فيه بغير حق لأخذه منهم جبرا .

                                                                                                                                            فدلت هذه الوجوه على أنه كان عنوة مغنوما اقتداء في استطابة نفوسهم عنه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبي هوازن حين سألوه بعد إسلامهم المن عليهم ، فخيرهم بين أموالهم وأهليهم ، فاختاروا الأهل والأولاد ، فمن عليهم ، وعرف العرفاء عن استنزال الناس عنوا ، وجعل لمن لم يطب نفسا بالنزول عن كل رأس من السبي ست قلائص حتى نزل جميعهم ، إلا عيينة والأقرع إلى أن جدع عيينة ، ونزل الأقرع ، فلما استنزلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المن والتكريم كان استنزال عمر للغانمين في عموم المصالح للمسلمين أولى وأوكد ، واختلف في السبب الذي استنزلهم عمر لأجله على قولين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه رأى إن أقاموا فيه على عمارته واستغلاله ، وألفوا ريف العراق وخصبه تعطل الجهاد ، وإن أنهضهم عنه مع بقائه على ملكهم خرب مع جلالة قدره وكثرة استغلاله ، فعلى أن الأصلح إقرار في أيدي الدهاقين والأكرة الذين هم بعمارته أعرف ، وزراعته أقوم بخراج يضربه عليهم يعود نفعه على المسلمين ، ويتوفروا به على جهاد المشركين .

                                                                                                                                            والثاني : أنه فعل ذلك لنظره في المتعقب : لأنه جعل مصري العراق البصرة والكوفة وطنا للمجاهدين : ليخصوا بجهاد من بإزائهم من المشركين ، ويستمدوا بسواد عراقهم في أرزاقهم ونفقاتهم في جهادهم ، وعلم أنه إن أقره على ملكهم مع سعته وكثرة ارتفاعه بقي من بعدهم لا يجدون ما يستمدونه ، وقد قاموا مقامهم ، وسدوا مسدهم فرأى أن الأعم في صلاح أهل كل عصر أن يكون وقفا عاما على جميع المسلمين ليكون لأهل كل عصر فيه حظ يقوم بكفايتهم فاستنزلهم عن أصل ملكه ، وأمدهم بارتفاعه ليكون من يأتي بعدهم فيه بمثابتهم .

                                                                                                                                            وقد روى زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب أنه قال : لولا أخشى أن يبقى آخر الناس لا شيء لهم لتركتكم ، وما قسم لكم ، لكن أحب أن يلحق آخرهم أولهم ، وتلا قوله تعالى : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان [ الحشر : 10 ] .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية