الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 126 ] باب العقيقة

مسألة : قال الشافعي : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن سباع بن وهب ، عن أم كرز ، قالت : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أسأله عن لحوم الهدي فسمعته يقول : عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة لا يضركم ذكرانا كن أو إناثا ، وسمعته يقول : أقرو والطير على مكناتها قال الشافعي - رحمه الله - : فيعق عن الغلام وعن الجارية كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - .

قال الماوردي : وأما العقيقة فهي شاة تذبح عند الولادة كانت العرب عليها قبل الإسلام .

القول في العقيقة

اختلف فيها بعد الإسلام ، فذهب الشافعي إلى أنها سنة مندوب إليها .

وقال أبو حنيفة : ليست بسنة ولا ندب .

وقال الحسن البصري وداود : هي واجبة ، واستدل أبو حنيفة على أنها غير مسنونة برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة ، فقال : لا أحب العقوق وبرواية ابن عقيل عن علي بن الحسن بن أبي رافع أن الحسن بن علي عليهما السلام لما ولد أرادت فاطمة عليها السلام أن تعق عنه كبشا ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : لا تعقي عنه ، واحلقي شعره ، وتصدقي بوزنه على المساكين ، فلما ولدت الحسين عليه السلام فعلت مثل ذلك ، واستدل الحسن على وجوب العقيقة بروايته عن سمرة بن جندب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الغلام مرتهن بعقيقته ، فاذبحوا عنه يوم السابع .

وروى محمد بن سيرين ، عن سليمان بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى .

والدليل على أنها سنة وليست بواجبة ما رواه الشافعي بعد حديث أم كرز ، عن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عق [ ص: 127 ] عن الحسن والحسين ابني علي عليهم السلام فدل على أن نهي فاطمة عنه ، لأنه عق عنهما .

وروى الشافعي ، عن سفيان ، عن زيد بن أسلم ، عن رجل من بني ضمرة ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة على المنبر سئل عن العقيقة فقال : لا أحب العقوق ، ولكن من ولد له ولد ، فأحب أن ينسك عنه فليفعل فدل على أنه كره الاسم ، وندب إلى الفعل .

ولكن وليمة النكاح مسنونة ، ومقصودها طلب الولد ، فكان ولادة الولد أولى بأن يكون الإطعام فيه مسنونا .

وأما قوله في حديث أم كرز : أقروا الطير على مكناتها رواه أبو عبيد بفتح الميم والكاف - يعني به أماكنها وأوكارها ، ورواه ابن الأعرابي بفتح الميم وكسر الكاف - يعني : وقت تملكها ، واستقرارها ، وفي المراد به تأويلان مختلفان بحسب اختلاف الرواية :

أحدهما : وهو تأويل الشافعي ، ومن رواه بكسر الكاف أن العرب كانت تعتاق الطير وتزجرها تفاؤلا وتطيرا إذا أرادوا حاجة أو سفرا فينفرون أول طائر يسفح لهم ، فإن طار ذات اليمين قالوا : هذا طائر الأيامن فيتيمنوا به ، وتوجهوا ، وأيقنوا بالنجاح ، وإن طار ذات الشمال قالوا : هذا طير الأشائم ، فتشاءموا به ، وعادوا معتقدين للخيبة ، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا ، وقال : إن الله تعالى يحب الفأل ويكره الطيرة .

وروى قبيصة بن المخارق الهزلي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه نهى عن الطيرة والعيافة والطرق . العيافة هي : زجر الطير ، والطرق : هو الضرب ، وبه سميت مطرقة الحداد .

والتأويل الثاني : وهو قول من رواه بالفتح في الكاف أنه أراد به النهي عن صيد الليل إذا أوت الطير إلى أماكنها ، واختلف من قال بهذا في معنى النهي عن صيد الليل فقال بعضهم لأنه وقت الدعة والراحة وقال آخرون : لأن أوكارها مأوى الهوام المخوف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث