الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من حلف على غريمه لا يفارقه حتى يستوفي حقه

[ ص: 384 ] باب من حلف على غريمه لا يفارقه حتى يستوفي حقه

مسألة : قال الشافعي رحمه الله : " من حلف على غريمه لا يفارقه حتى يستوفي حقه ، ففر منه لم يحنث : لأنه لم يفارقه ، ولو قال : لا أفترق أنا وأنت حنث " .

قال الماوردي : وأصل هذا الباب أن كل يمين علقت على فعل فاعل كانت مقصورة على فعله ، ولم تتعلق بفعل غيره ، فيكون البر والحنث معتبرا بفعل من قصد باليمين ، فإذا لازم صاحب الدين غريمه ، وحلف أن لا يفترقا حتى يستوفي حقه لم يخل يمينه من أحد ثلاثة أقسام :

أحدها : أن يعقدها على فعله .

والثاني : على فعل غريمه .

والثالث : على فعلهما .

فأقام القسم الأول : وهو أن يعقدها على فعله ، فهو أن يقول : والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك ، فالبر والحنث متعلق بفعل الحالف دون المحلوف عليه ، فإن فارقه الحالف مختارا ذاكرا حنث ، وإن فارقه مكرها أو ناسيا ، ففي حنثه قولان ، على ما مضى في حنث المكره والناسي ، فأما إن فارقه الغريم المحلوف عليه ، وفر منه لم يحنث الحالف ، سواء قدر على إمساكه أو لم يقدر ؛ لأن اليمين معقودة على فعله فكان حنثه بأن يكون الفراق منسوبا إلى فعله ، وهذا الفراق منسوب إلى فعل غريمه ، فلم يتعلق به حنث ، ووهم ابن أبي هريرة فخرج حنثه بفراق الغريم على قولين من حنث المكره والناسي ، وهو خطأ لما ذكرنا .

وأما القسم الثاني : وهو أن يعقد يمينه على فعل غريمه ، وهو أن يقول : والله لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك ، فإن فارقه الغريم مختارا ذاكرا حنثه ، وإن فارقه مكرها أو ناسيا ، فقد اختلف أصحابنا في الإكراه إذا كان في فعل المحلوف عليه ، هل يجري مجرى الإكراه في فعل الحالف ؟ على وجهين :

أحدهما وهو قول البغداديين أن الإكراه فيهما على سواء ، فعلى هذا في حنث الحالف قولان .

[ ص: 385 ] والوجه الثاني وهو قول البصريين أن الإكراه معتبر في فعل الحالف وغير معتبر في فعل المحلوف عليه ، فعلى هذا يحنث الحالف قولا واحدا ، فأما إن كان الحالف هو المفارق للغريم فلا حنث عليه : لأن يمينه معقودة على فعل غريمه ، لا على فعل نفسه ، وهذا الفراق منسوب إليه ، وليس بمنسوب إلى الغريم ، فلم يتعلق به حنث .

وأما القسم الثالث : وهو أن يعقد يمينه على فعله ، وفعل غريمه ، وهو أن يقول : والله لا افترقنا أنا وأنت ، أو والله لا فارق واحد منا صاحبه ، حتى أستوفي حقي منك ، فالحنث هاهنا واقع بفراق كل واحد منهما صاحبه ، لانعقاد اليمين على فعلهما ، فإن فارقه الحالف حنث إن كان ذاكرا مختارا ، وفي حنثه إن كان مكرها أو ناسيا قولان ، وإن فارقه الغريم المحلوف عليه ذاكرا مختارا حنث الحالف ، وإن فارقه مكرها أو ناسيا ، ففي حنث الحالف ما قدمناه من خلاف البغداديين والبصريين في معاني هذه الأقسام في اليمين إذا كانت في الكلام أن يقول : والله لا كلمتك ، فإن كلمه الحالف ، حنث لعقد اليمين على كلام الحالف ، وإن كلمه المحلوف عليه لم يحنث ، ولو قال : والله لا كلمتني فكلمه المحلوف عليه حنث ، ولو كلمه الحالف لم يحنث لعقد اليمين على كلام المحلوف عليه ، ولو قال : والله لا تكلمنا أو لا كلم واحد منا صاحبه ، فأيهما كلم الآخر حنث : لأن اليمين معقودة على كلام كل واحد منهما ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث