الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الحج أشهر معلومات

جزء التالي صفحة
السابق

( الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله [ ص: 83 ] إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ) .

الجدال ، فعال مصدر جادل ، وهي المخاصمة الشديدة ، مشتق ذلك من الجدالة ، وهي الأرض . كان كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه ، فيكون كمن ضرب به الجدالة ، ومنه قول الشاعر :


قد أنزل الآلة بعد الآله وأنزل العاجز بالجداله



أي : بالأرض ، وقيل : اشتق ذلك من الجدل وهو الفتل ، ومنه قيل : زمام مجدول ، وقيل : له جديل لفتله ، وقيل للصقر : الأجدل لشدته واجتماع خلقه ، كأن بعضه فتل في بعض فقوي .

( الزاد ) معروف ، وهو ما يستصحبه الإنسان للسفر من مأكول ومشروب ، ومركوب ، وملبوس ، إن احتاج إلى ذلك ، وألفه منقلبة عن واو ، يدل على ذلك قولهم : تزود ، تفعل من الزاد .

الإفاضة : الانخراط والاندفاع والخروج من المكان بكثرة ، شبه بفيض الماء والدمع ، فأفاض من الفيض لا من فوض ، وهو اختلاط الناس بلا سايس يسوسهم ، وأفعل هذا بمعنى المجرد ، وليست الهمزة للتعدية : لأنه لا يحفظ أفضت زيدا ، بهذا المعنى الذي شرحناه ، وإن كان يجوز في فاض الدمع أن يعدى بالهمزة ، فتقول : أفاض الحزن ، أي : جعله يفيض . وزعم الزجاج ، وتبعه الزمخشري ، وصاحب ( المنتخب ) أن الهمزة في ( أفاض الناس ) للتعدية ، قال : وأصله أفضتم أنفسكم ، وشرحه صاحب ( المنتخب ) بالاندفاع في السير بكثرة ، وكان ينبغي أن يشرحه بلفظ متعدد . قال معناه : دفع بعضكم بعضا ، قال : لأن الناس إذا انصرفوا مزدحمين دفع بعضهم بعضا ، وقيل : الإفاضة الرجوع من حيث بدأتم ، وقيل : السير السريع ، وقيل : التفرق بكثرة ، وقيل : الدفع بكثرة ، ويقال : رجل فياض أي مندفق بالعطاء ، وقيل : الانصراف ، من قولهم أفاض بالقداح ، وعلى القداح ، وهي سهام الميسر ، وأفاض البعير بجرانه .

( عرفات ) علم على الجبل الذي يقفون عليه في الحج ، فقيل : ليس بمشتق ، وقيل : هو مشتق من المعرفة ، وذلك سبب تسميته بهذا الاسم . وفي تعيين المعرفة أقاويل ، فقيل : لمعرفة إبراهيم بهذه البقعة إذ كانت قد نعتت له قبل ذلك ، وقيل : لمعرفته بهاجر وإسماعيل بهذه البقعة ، وكانت سارة قد أخرجت إسماعيل في غيبة إبراهيم ، فانطلق في طلبه حين فقده ، فوجده وأمه بعرفات ، وقيل : لمعرفته في ليلة عرفة أن الرؤيا التي رآها ليلة يوم التروية بذبح ولده كانت من الله ، وقيل : لما أتى جبريل على آخر المشاعر في توقيفه لإبراهيم عليها ، قال له : أعرفت ؟ قال : عرفت ، فسميت عرفة ، وقيل : لأن الناس يتعارفون بها ، وقيل : لتعارف آدم وحواء بها : لأن هبوطه كان بوادي سرنديب ، وهبوطها كان بجدة ، وأمره الله ببناء الكعبة ، فجاء ممتثلا ، فتعارفا بهذه البقعة . وقيل : من العرف ، وهو الرائحة الطيبة ، وقيل : من العرف ، وهو الصبر ، وقيل : العرب تسمي ما علا عرفات وعرفة ، ومنه عرف الديك لعلوه ، وعرفات مرتفع على جميع جبال الحجاز ، وعرفات وإن كان اسم جبل فهو مؤنث ، حكى سيبويه : هذه عرفات مباركا فيها ، وهي مرادفة لعرفة ، وقيل : إنها جمع ، فإن عنى في الأصل فصحيح ، وإن عنى حالة كونها علما فليس بصحيح : لأن الجمعية تنافي العلمية . وقال قوم : عرفة اسم اليوم ، وعرفات اسم البقعة .

والتنوين في " عرفات " ونحوه تنوين مقابلة ، وقيل : تنوين صرف ، واعتذر عن كونه منصرفا مع التأنيث والعلمية ، بأن التأنيث إنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ، وإن كان بالتقدير كسعاد ، فلا يصح تقديرها في " عرفات " ؛ لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما تقدر تاء التأنيث في بنت ؛ لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث ، فأنث [ ص: 84 ] تقديرها . انتهى هذا التعليل ، وأكثره للزمخشري ، وأجراه في القرآن مجرى ما لم يسم فاعله من إبقاء التنوين في الجر ، ويجوز حذفه حالة التسمية ، وحكى الكوفيون والأخفش إجراء ذلك وما أشبهه مجرى فاطمة ، وأنشدوا بيت امرئ القيس :


تنورتها من أذرعات وأهلها     بيثرب أدنى دارها نظر عالي



بالفتح .

النصيب : الحظ ، وجمعه على أفعلاء شاذ : لأنه اسم ، قالوا : أنصباء ، وقياسه فعل ، نحو كثيب وكثب .

( سريع ) : اسم فاعل من سرع يسرع سرعة فهو سريع ، ويقال : أسرع وكلاهما لازم .

( الحساب ) : مصدر حاسب ، وقال أحمد بن يحيى : حسبت الحساب أحسبه حسبا وحسبانا ، والحساب الاسم ، وقيل : الحساب مصدر حسب الشيء ، والحساب في اللغة هو العد . وقال الليث بن المظفر ، ويعقوب : حسب يحسب حسبانا وحسابة وحسبة وحسبا ، وأنشد :


وأسرعت حسبة في ذلك العدد



ومنه حسب الرجل ، وهو ما عده من مآثره ومفاخره ، والإحساب : الاعتداد بالشيء . وقال الزجاج : الحساب في اللغة مأخوذ من قولك حسبك كذا ، أي : كفاك ، فسمي الحساب من المعاملات حسابا : لأنه يعلم ما فيه كفاية ، وليس فيه زيادة ولا نقصان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث