الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وأتموا الحج والعمرة لله ) ، الإتمام كما تقدم ضد النقص ، والمعنى : افعلوهما [ ص: 72 ] كاملين ولا تأتوا بهما ناقصين شيئا من شروطهما ، وأفعالهما التي تتوقف وجود ماهيتهما عليهما ، كما قال غيلان :


تمام الحج أن تقف المطايا على خرقاء واضعة اللثام



جعل وقوف المطايا على محبوبته ، وهي مي ، كبعض مناسك الحج الذي لا يتم إلا به . هذا ظاهر اللفظ ، وقد فسر " الإتمام " بغير ما يقتضيه الظاهر . قال الشعبي ، وابن زيد : إتمامهما أن لا ينفسخ ، وأن تتممهما إذا بدأت بهما .

وقال علي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وسعيد ، وطاوس : إتمامهما أن تحرم بهما مفردين من دويرة أهلك ، وفعله عمران بن حصين . وقال الثوري : إتمامهما أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك ، ويؤيد هذا قوله " لله " . وقال القاسم بن محمد وقتادة : إتمامهما أن تحرم بالعمرة وتقضيها في غير أشهر الحج ، وأن تتم الحج دون نقص ولا جبر بدم ، وقالت فرقة : إتمامهما أن تفرد كل واحد من حج أو عمرة ولا تقرن ، والإفراد عند هؤلاء أفضل .

وقال قوم : إتمامهما أن تقرن بينهما ، والقران عند هؤلاء أفضل . وقال ابن عباس ، وعلقمة ، وإبراهيم ، وغيرهم : إتمامها أن تقضي مناسكهما كاملة بما كان فيها من دماء ، وهذا يقرب من القول الأول ، وقال قوم : أن يفرد لكل واحد منهما سفرا . وقيل : أن تكون النفقة حلالا ، وقال مقاتل : إتمامهما أن لا تستحل فيهما ما لا يجوز ، وكانوا يشركون في إحرامهم ، يقولون : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك . فقال : أتموهما ولا تخلطوا بهما شيئا .

وقال الماتريدي : إنما قال ( وأتموا الحج والعمرة لله ) : لأن الكفرة كانوا يفعلون الحج لله والعمرة للصنم ، وقال المروزي : كان الكفار يحجون للأصنام .

وقرأ علقمة : " وأقيموا الحج " ، وقرأ طلحة بن مصرف : " الحج " ، بالكسر هنا ، وفي آل عمران ، وبالفتح في سائر القرآن ، وتقدم قراءة ابن إسحاق : " الحج " بالكسر في جميع القرآن ، وسيأتي ذكر الخلاف في قوله : ( حج البيت ) في موضعه .

وقرأ ابن مسعود : " وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله " ، وقرأ علي ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، وابن عمر ، والشعبي ، وأبو حيوة : " والعمرة لله " ، بالرفع على الابتداء والخبر ، فيخرج العمرة عن الأمر ، وينفرد به الحج ، وروي عنه أيضا : " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " ، وينبغي أن يحمل هذا كله على التفسير : لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون .

" ولله " متعلق بـ " أتموا " ، وهو مفعول من أجله ، ويجوز أن يكون في موضع الحال ، ويكون العامل محذوفا تقديره : كائنين لله ، ولا خلاف في أن الحج فرض ، وأنه أحد الأركان التي بني الإسلام عليها ، وفروضه : النية ، والإحرام ، والطواف المتصل بالسعي بين الصفا والمروة ، خلافا لأبي حنيفة ، والوقوف بعرفة ، والجمرة ، على قول ابن الماجشون ، والوقوف بمزدلفة على قول الأوزاعي .

وأما أعمال العمرة : فنية ، وإحرام ، وطواف ، وسعي . ولا يدل الأمر بإتمام الحج والعمرة على فرضية العمرة ، ولا على أنها سنة ، فقد يصح صوم رمضان ، وشيء من شوال بجامع ما اشتركا فيه من المطلوبية ، وإن اختلفت جهتا الطلب ، ولذلك ضعف قول من استدل على أن العمرة فرض بقوله : " وأتموا " . وروي ذلك عن علي ، وابن عباس ، وابن عمر ، ومسروق ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، وابن سيرين ، والشعبي ، وابن جبير ، وأبي بردة ، وعبد الله بن شداد : ومن علماء الأمصار : الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيدة ، وابن حميم ، من المالكيين .

وذهب جماعة من الصحابة إلى أن العمرة سنة ، منهم : ابن مسعود ، وجابر ، ومن التابعين : النخعي ، ومن علماء الأمصار : مالك ، وأبو حنيفة ، إلا أنه إذا شرع فيها عندهما وجب إتمامها . وحكى بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة القولين ، والحجج منقولة في كتب الفقه .

التالي السابق


الخدمات العلمية