الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 342 ] ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين )

تداين : تفاعل من الدين ، يقال : داينت الرجل عاملته بدين معطيا أو آخذا ، كما تقول : بايعته إذا بعته أو باعك قال رؤبة :


داينت أروى والديون تقضى فمطلت بعضا وأدت بعضا



ويقال : دنت الرجل إذا بعته بدين ، وادنت أنا أي : أخذت بدين .

أمل وأملى لغتان : الأولى لأهل الحجاز وبني أسد ، والثانية لتميم ، يقال : أمليت وأمللت على الرجل أي : ألقيت عليه ما يكتبه ، وأصله في اللغة الإعادة مرة بعد أخرى ، قال الشاعر :


ألا يا ديار الحي بالسبعان     أمل عليها بالبلى الملوان



وقيل : الأصل أمللت ، أبدل من اللام ياء لأنها أخف .

البخس : النقص ، يقال منه : بخس يبخس ، ويقال : بالصاد ، والبخس : إصابة العين ، ومنه : استعير بخس حقه ، كقولهم : عور حقه ، وتباخسوا في البيع تغابنوا ، كان كل واحد يبخس صاحبه عن ما يريده منه باحتياله . السأم والسآمة : الملل من الشيء والضجر منه ، يقال منه : سئم يسأم .

الصغير : اسم فاعل من صغر يصغر ، ومعناه قلة الجرم ، ويستعمل في المعاني أيضا . القسط : بكسر القاف : العدل ، يقال منه : أقسط الرجل أي : عدل ، وبفتح القاف : الجور ، ويقال منه : قسط الرجل أي : جار ، والقسط بالكسر أيضا : النصيب . الرهن : ما دفع إلى الدائن على استيثاق دينه ، ويقال : رهن يرهن رهنا ، ثم أطلق المصدر على المرهون ، ويقال : رهن الشيء دام ، قال الشاعر :


اللحم والخبز لهم راهن     وقهوة راووقها ساكب



وأرهن لهم الشراب : دام ، قال ابن سيده : ورهنه ، أي : أدامه ، ويقال : أرهن في السلعة إذا غالى بها حتى أخذها بكثير الثمن ، قال الشاعر :


يطوي ابن سلمى بها من راكب بعرا     عيدية أرهنت فيها الدنانير



العيد : بطن من مهر ، وإبل مهرة موصوفة بالنجابة ، ويقال ، من الرهن الذي هو من التوثقة : أرهن إرهانا ، قال همام بن مرة :


فلما خشيت أظافيرهم     نجوت وأرهنتهم مالكا



[ ص: 343 ] وقال ابن الأعرابي ، والزجاج : يقال في الرهن رهنت وأرهنت ، وقال الأعشى :


حتى يفيدك من بنيه رهينة     نعش ويرهنك السماك الفرقدا



وتقول : رهنت لساني بكذا ، ولا يقال فيه : أرهنت ، ولما أطلق الرهن على المرهون صار اسما ، فكسر تكسير الأسماء وانتصب بفعله نصب المفاعيل ، فرهنت رهنا كرهنت ثوبا . الإصر : الأمر الغليظ الصعب ، والآصرة في اللغة : الأمر الرابط من ذمام أو قرابة ، أو عهد ، ونحوه ، والإصار : الحبل الذي تربط به الأحمال ونحوها ، يقال : أصر يأصر أصرا ، والإصر ، بكسر الهمزة ، الاسم من ذلك ، وروي الأصر بضمها وقد قرئ به ، قال الشاعر :


يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم     والحامل الإصر عنهم بعدما عرقوا



( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) قال ابن عباس : نزلت في السلم خاصة ، يعنى : أن سلم أهل المدينة كان السبب ، ثم هي تتناول جميع الديون بالإجماع . ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما أمر بالنفقة في سبيل الله ، وبترك الربا ، وكلاهما يحصل به تنقيص المال ، نبه على طريق حلال في تنمية المال وزيادته ، وأكد في كيفية حفظه ، وبسط في هذه الآية وأمر فيها بعدة أوامر على ما سيأتي بيانه .

وذكر قوله : ( بدين ) ليعود الضمير عليه في قوله : ( فاكتبوه ) وإن كان مفهوما من : تداينتم ، أو لإزالة اشتراك تداين ، فإنه يقال : تداينوا ، أي : جازى بعضهم بعضا ، فلما قال : ( بدين ) دل على غير هذا المعنى ، أو للتأكيد ، أو ليدل على أي دين كان صغيرا أو كبيرا ، وعلى أي وجه كان من سلم أو بيع ( إلى أجل مسمى ) ليس هذا الوصف احترازا من أن الدين لا يكون إلى أجل مسمى ، بل لا يقع الدين إلا إلى أجل مسمى ، فأما الآجال المجهولة فلا يجوز ، والمراد بالمسمى الموقت المعلوم ، نحو : التوقيت بالسنة والأشهر والأيام ، ولو قال : إلى الحصاد ، أو إلى الدياس ، أو رجوع الحاج ، لم يجز لعدم التسمية ، وإلى أجل ، متعلق : بتداينتم ، أو في موضع الصفة لقوله : ( بدين ) فيتعلق بمحذوف .

( فاكتبوه ) أمر تعالى بكتابته ؛ لأن ذلك أوثق وآمن من النسيان ، وأبعد من الجحود ، وظاهر الأمر الوجوب ، وقد قال بعض أهل العلم ، منهم الطبري ، وأهل الظاهر ، وقال الجمهور : هو أمر ندب يحفظ به المال ، وتزال به الريبة ، وفي ذلك حث على الاعتراف به وحفظه ، فإن الكتاب خليفة اللسان ، واللسان خليفة القلب .

وروي عن أبي سعيد الخدري ، وابن زيد ، والشعبي ، وابن جريج أنهم كانوا يرون أن قوله : ( فإن أمن بعضكم بعضا ) ناسخ لقوله : ( فاكتبوه ) وقال الربيع وجب بقوله : ( فاكتبوه ) ثم خفف بقوله : ( فإن أمن ) .

( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) وهذا الأمر قيل : على الوجوب على الكفاية كالجهاد ، قال عطاء وغيره : يجب على الكاتب أن يكتب على كل حال ، وقال الشعبي ، أيضا : إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب ، وقال السدي : هو واجب مع الفراغ ، واختار الراغب أن الصحيح كون الكتابة فرضا على الكفاية ، وقال : الكتابة فيما بين المتبايعين ، وإن لم تكن واجبة ، فقد تجب على الكاتب إذا أتوه ، كما أن الصلاة النافلة ، وإن لم تكن واجبة على فاعلها ، فقد يجب على العالم تبيينها إذا أتاه مستفت .

ومعنى : بينكم ، أي : بين صاحب الدين والمستدين ، والبائع والمشتري ، والمقرض والمستقرض ، والتثنية تقتضي أن لا ينفرد أحد المتعاملين ؛ لأنه يتهم في الكتابة ، فإذا كانت واقعة بينهما كان كل واحد منهما مطلعا على ما سطره الكاتب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث