الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل معرفة الناس في أن الشرك من الظلم

فصل

ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا من الناس لا يعلمون كون الشرك من الظلم، وأنه لا ظلم إلا ظلم الحكام أو ظلم العبد نفسه، وإن علموا ذلك من جهة الاتباع والتقليد للكتاب والسنة والإجماع لم يفهموا وجه ذلك، ولذلك لم يسبق ذلك إلى فهم جماعة من الصحابة لما سمعوا قوله: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود أنهم قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟! فقال رسول الله: "ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم ؟ ". وذلك أنهم ظنوا أن الظلم- كما حده طائفة من المتكلمين- هو إضرار غير مستحق، ولا يرون الظلم إلا ما فيه إضرار بالمظلوم، إن كان المراد أنهم لن يضروا دين الله وعباده المؤمنين، فإن [ ص: 235 ] ضرر دين الله وضرر المؤمنين بالشرك والمعاصي أبلغ وأبلغ. ومعلوم أن الله سبحانه لا يضره عباده ولا ينفعونه، وإنما يضرون أنفسهم، ولهذا قال: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ، فأخبر أن الكافر الذي كفر بربه وترك حقه وأشرك به وعبد غيره وتعدى حدوده وانتهك محارمه لا يضره شيئا، كما يضر المخلوق من السادة ونحوهم من يجحد حقوقهم ويكفر نعمهم ويعتدي عليهم، فالله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء ولا تضرب له الأمثال.

ولهذا قال تعالى في الحديث الصحيح عن أبي ذر- وهو أشرف حديث رواه أهل الشام-: "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا" الحديث. إلى قوله: "يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني " إلى قوله: "فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ". وكذلك أخبر في القرآن أنه غني عن خلقه، لن يبلغوا نفعه فينفعوه، كما يبلغ بعضهم نفع بعض، كما قال: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ، وقال إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ، وقال موسى: إن تكفروا أنتم [ ص: 236 ] ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد بعد أن أخبرهم أن ربهم تأذن لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد وقال سليمان: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم . وقال: من عمل صالحا فلنفسه الآية . وقال: إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم الآية . وقال: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت . وقال عن بني إسرائيل: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ، فهذا نص في أنهم لم يظلموا الله وإنما ظلموا أنفسهم. وقال تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم .

ولكن عبادته وحده حق استحقه عليهم لذاته، كما قال: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ، فأخبر أنه إنما خلق الخلق لعبادته، وأخبر أن الذي خلقه لهم وأمره بهم ورضيه وأحبه وأراده بأمره [ ص: 237 ] منهم هو عبادته، لم يرد منهم رزقا ولا أن يطعموه، والرزق يعم كل ما ينتفع به الحي ظاهرا وباطنا، فلم يرد منهم ما يريده السادة والمخلوقون من عبادهم، من جلب المنفعة إليهم التي هي الرزق.

وقال تعالى: ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا الآية. فأخبر تعالى أنهم علموا يومئذ أن الحق لله، وأن أولئك الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله لم يكن لهم في ذلك الحق شيء، بل كان دعواهم أن لهم حقا افتراء افتروه، فضل عنهم وقت الحقيقة ما افتروه.

وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "هل تدري ما حق الله على العباد؟ "، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" وذكر الحديث.

ولهذا يكثر من ذكر الشرك والكفر وأنواعه في القرآن، ويخبر بأنه ظلم، وأنه من أعظم الظلم، كقوله: والكافرون هم الظالمون " ، وقوله: ويوم يعض الظالم على يديه إلى قوله: وكان الشيطان للإنسان خذولا . وقد أخبر المسيح أن العبادة ليست بحق للمخلوق، وإنما هي حق للخالق تعالى، في قوله: قال سبحانك ما [ ص: 238 ] يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق . وفي الحديث الصحيح : "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ". وقال تعالى: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي الآية . وقوله: ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون . وقال: ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت الآيات . وقال: ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين .

وقوله في الذي آتاه الله الملك: فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين . وقوله: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله الآية . وقوله: ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون . وقوله: وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى . وقال: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا . وقوله: ونذر الظالمين فيها [ ص: 239 ] جثيا ، وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا . وقال: إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ، وقد خاب من حمل ظلما . وقال: أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين ، وأسروا النجوى الذين ظلموا وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين . وقوله: فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين . وقوله: قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين . وقول أهل الأعراف: ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين . وقوله: وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . وقوله: وأعتدنا للظالمين عذابا أليما فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ووقع القول [ ص: 240 ] عليهم بما ظلموا . وقوله: فانظر كيف كان عاقبة الظالمين . والآيات في هذا كثيرة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث