الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
2- الدولة كرافعة للفعل الحضاري:

إن دور الدولة في التجربة الحضارية هو دفع حركة الأمة والتفاعل مع معطياتها ومتطلباتها حتى تبلغ غاياتها، وهو دور لا يمكن إنكاره. فهي، أي الدولة، بهذا التحديد ضرورة حضارية لاسيما وأنها الأداة الوحيدة، التي يمكنها تفجير طاقات الإنسان، والارتفاع به على الصعيد الحضاري. ولكنها [ ص: 63 ] لا يمكن أن تكون كذلك إلا إذا ظلت حركتها منسجمة مع خيارات الأمة. ولا ريب أن فعالية الأمة وحركية المجتمع هي من العوامل الجوهرية والضرورية، التي تحول دون ابتعاد الدولة عن وظيفتها الحضارية. إن تكامل إرادتي الطرفين يعني أن ملحمة البناء الحضاري قد بدأت بالانطلاق فعلا. وأن بلوغها مداها يتم تماما إذا ظل هذا التكامل قائما. ولقد كانت كل الحقب المزدهرة في التاريخ الإنساني ثمرة تكامل هاتين الإرادتين. والإشارة إلى الحضارتين الإسلامية والأوروبية الغربية توضح ذلك [1] .

لقد رعت الدولة الإسلامية منذ نشوئها عملية التطور الحضاري، وبلغت ذروتـها في العهـد العباسي وبخاصة أيام هارون الرشيد وابنه المأمون، وكان حب العرب للعلم عظيما، ولم يترك الخلفاء في بغداد سبيلا لاجتذاب أشهر العلماء إلا سلكوه. وترجموا كتب اليونان، واستفادوا من خزائن العلوم في بلاد فارس، واعتمدوا على التجربة والتـرصـد في البحث. ولم يقتصر شأنهم على الارتقاء بالعلوم بما اكتشفوه، بل تعدى ذلك إلى نشرها بما ألفوه من كتب وما أقاموه من جامعات. وبدت دولتهم أكثر دول الأرض هيبة ومدنية [2] . [ ص: 64 ]

وبرزت عظمة الحضارة العربية الإسلامية في بغداد، حيث أضحت من أشهر المراكز العلمية، العالمية يقول "غوستاف لوبون Gustave Le Bon": "وكان العلماء ورجال الفن والأدباء من جميع الملل والنحل، من يونان وفرس وأقباط وكلدان، يتقاطرون إلى بغداد فيجعلون منها مركزا للثقافة في الدنيا، وكان المأمون بن هارون الرشيد يعد العلماء أناسا اختارهم الله لتنوير البصائر وإضاءة العالم.." [3] .

أما الدولة الأوروبية فأخذت منذ بداية النصف الثاني من القرن السابع عشر تقوم بجهود بارزة لدفع عملية التطور، بحيث أضحت توصف بالدولة الناهضة. لقد اعتمدت عليها عملية انطلاق الأمة، عن طريق تنمية مواردها الاقتصادية، وإحداث ثورة في أساليب الإنتاج والتوزيع وإنشاء الصناعات الثقيلة، والنهوض بالزراعة والتجارة ووسائل النقل والمواصلات [4] .

كما اعتمد عليها تطور المسار العلمي، حيث أنشئت أولى المؤسسات العلمية الكبرى مثل الجمعية الملكية في إنكلترا وأكاديمية العلوم الملكية في فرنسا. هذا إلى جانب الاهتمام بالتقنيات المختلفة ووضع القوانين الخاصة بها وتسهيل استيرادها من الخارج مع مراقبة سير العمل في المهن المختلفة، بعد أن كان هذا الأمر يتم بصورة فردية بما في ذلك العمل في المناجم. [ ص: 65 ] وأصبح التطور التقني شأنا من شؤون الدولة بعد أن أظهرت اهتماما واضحا بتأهيل الجهاز التقني [5] .

لقد كان نفوذ الدولة كبيرا وبخاصة في الميدان الاقتصادي، حيث قامت بوضع أنظمة الحماية الجمركية وحظر الاستيراد. وبهذه الطريقة كان يتم تسهيل الاستثمارات في الميادين الكبرى. ومع ازدياد المتطلبات العسكرية، لاسيما خلال الحرب العالمية الثانية؛ أخذت تظهر بشكل أكثر ما يكون وضوحا في السياسة المركزية للتقنية. وفي البلدان الأكثر تقدما في أوروبا أصبـح تحرك الدولـة لا يتعـلق بانتقال التكنولوجيا من بلد إلى آخر بقدر ما يرتبط بالتجديد والإبداع [6] .

التالي السابق


الخدمات العلمية