الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          قولهم : لأنه لا يحسن الجواب إلا بعد الاستفهام .

          قلنا : إذا كانت مشتركة وهي استفهامية فالاستفهام إنما هو عن مدلولها ، ومدلولها عند الاستفهام إنما هو أحد المدلولين لا بعينه ، فإذا أجاب بأحد الأمرين فقد أجاب عما سئل عنه ، فلا حاجة بالمسئول إلى الاستفهام .

          قولهم : في الشرطية إن المفهوم من قول السيد لعبده من دخل داري فأكرمه العموم لما قرروه .

          قلنا : ليس ذلك مفهوما من نفس اللفظ ، بل من قرينة إكرام الزائر حتى أنا لو قدرنا أنه لا أصلا ، ولا تحقق لما سوى اللفظ المذكور ، فإنا لا نسلم فهم العموم منه ولا جواز التعميم دون الاستفهام أو ظهور دليل يدل عليه بناء على قولنا بالوقف .

          ويدل على ذلك أنه يحسن الاستفهام من العبد ولو كان على أي صفة قدر ، وحسن ذلك يدل على الترديد ، ولولا الترديد لما حسن الاستفهام .

          قولهم : إنه يحسن الاستثناء منه مسلم ، ولكن لا نسلم أنه لا بد من دخول ما استثني تحت المستثنى منه ، فإن الاستثناء من غير الجنس صحيح ، وإن لم يكن المستثنى داخلا تحت المستثنى منه ولا له عليه دلالة [1] .

          ويدل على صحة ذلك قوله تعالى : ( ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ) ، والظن داخل تحت لفظ العلم ، وقول الشاعر : [ ص: 213 ]

          وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد     إلا أواري لأيا ما أبينها
          والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد

              
          [2]

          فإن قيل : نحن إنما ندعي ذلك فيما كان من الجنس لا في غيره .

          قلنا : وإذا كان من الجنس فالاستثناء يدل على وجوب دخول ما استثني تحت المستثنى منه ، أو على صلاحيته للدخول تحته ، الأول ممنوع ، والثاني مسلم .

          ويدل على ذلك صحة استثناء كل واحد من آحاد الجنس من جموع القلة ، وهي ما يتناول العشرة فما دونها ، وهي أفعل نحو أفلس ، وأفعال نحو أصنام ، وأفعلة نحو أرغفة ، وفعلة نحو صبية ، مع أن آحاد الجنس غير واجبة الدخول تحت المستثنى منه ، والاستثناء من جمع السلامة إذا لم تدخله الألف واللام ، فإنه من جموع القلة بنص سيبويه .

          فإن قيل : نحن إنما ندعي ذلك فيما يصح استثناء العدد الكثير والقليل منه ، واستثناء العدد الكثير وهو ما زاد على العشرة لا يصح من جمع القلة .

          قلنا : فيلزم عليه استثناء ما زاد على العشرة من الجمع المنكر ، فإنه يصح ، وإن كان كل واحد من المستثنيات غير واجب الدخول تحت الجمع المنكر ، بل ممكن الدخول .

          فإن قيل : لو صح الاستثناء لإخراج ما يصح دخوله لا ما يجب دخوله لصح أن يقول القائل : رأيت رجلا إلا زيدا ، لصلاحية دخوله تحت لفظ رجل ، وهو غير صحيح .

          وأيضا ، فإن الاستثناء يدخل في الأعداد كقول القائل : له علي عشرة دراهم إلا درهما وهو واجب الدخول .

          وأيضا ، فإن أهل اللغة قالوا : بأن الاستثناء إخراج جزء من كل ، والجزء واجب الدخول في كله .

          قلنا : أما الأول فلأن قوله : رأيت رجلا لا يكون إلا معينا في نفس الأمر ضرورة وقوع الرؤية عليه ، وإن لم يكن معينا عند المستمع ، والمعين لا يصح الاستثناء منه إجماعا .

          وأما الثاني فبعيد عن التحقيق من حيث إن وجوب دخول الواحد في العشرة لا يمنع من صحة دخوله فيها ، بمعنى أنه لا يمتنع دخوله فيها ، وما ليس بممتنع أعم من [ ص: 214 ] الواجب وعند ذلك ، فلا يلزم أن يكون الاستثناء لوجوب الدخول ، بل لصحة الدخول وهو الجواب عن الوجه الثالث أيضا .

          كيف وإن استثناء واجب الدخول لا يمنع من استثناء ممكن الدخول ؟ وعلى ما قررناه في إبطال الاستدلال على عموم ( من ) استفهامية وجزائية يكون بعينه جوابا عما ذكروه من الوجه الأول في عموم ( كل ) و ( جميع ) .

          قولهم الوجه الثاني : إنه لو قال : رأيت كل من في البلد يعد كاذبا بتقدير عدم رؤية بعضهم لا نسلم لزوم ذلك مطلقا .

          فإنه لو قال القائل : جمع السلطان كل التجار وكل الصناع وجاء كل العسكر ، فإنه لا يعد في العرف كاذبا بتقدير تخلف آحاد الناس .

          والعرف بذلك شائع ذائع ، وليس حوالة ذلك على القرينة أولى من حوالة صورة التكذيب على القرينة [3] .

          قولهم في الوجه الثالث : إن قول القائل : كل الناس علماء يكذبه قول الآخر : كل الناس ليس علماء ليس كذلك مطلقا ، فإنه لو فسر كلامه بالغالب عنده كان تفسيره صحيحا مقبولا .

          ومهما أمكن حمل كلامه على ذلك فلا تكاذب [4] .

          نعم إنما يصح التكاذب بتقدير ظهور الدليل الدال على إرادة الكل بحيث لا يشذ منهم واحد ، وذلك مما لا ينكر ، وإنما النزاع في اقتضاء اللفظ لذلك بمطلقه .

          قولهم في الوجه الرابع : إنا ندرك التفرقة بين ( بعض ) و ( كل ) مسلم ، لكن من جهة أن بعضا لا يصلح للاستغراق وكلا صالح له ولما دونه ، ولا يلزم من ذلك ظهور ( كل ) في العموم [5] .

          قولهم في الوجه الخامس : إنه يلزم أن يكون قوله ( كلهم ) بيانا لا تأكيدا .

          [ ص: 215 ] قلنا : وإن بين به مراده من لفظه لا يخرجه ذلك عن كونه تأكيدا لما أراده من العموم ، فإن لفظه صالح له [6] .

          قولهم في الجمع المعرف : إن كثرة الجمع المعرف تزيد على كثرة المنكر ، قلنا : متى إذا أريد به الاستغراق أو إذا لم يرد به ذلك ؟ الأول مسلم والثاني ممنوع ، ولا يلزم من كونه صالحا للاستغراق أن يكون متعينا له ، بل غايته أنه إذا قال : رأيت رجالا من الرجال كان ذلك قرينة صارفة للجمع المعرف إلى الاستغراق .

          قولهم : إنه يصح تأكيده بما يفيد الاستغراق ، قلنا : ذلك يستدعي كون المؤكد صالحا للعموم والدلالة على العموم عند التأكيد ، ولا يدل على كونه متعينا بوضعه للعموم [7] .

          قولهم في تعميم النكرة المنفية : لو قال : لا رجل في الدار ، فإنه يعد كاذبا بتقدير رؤيته لرجل ما ، قلنا : إنما عد كاذبا بذلك ، لأن قوله لا رجل في الدار إنما ينفي حقيقة رجل في الدار ، فإذا وجد رجل في الدار كان كاذبا ، ولا يلزم من ذلك العموم في طرف النفي إذ هو نفي ما ليس بعام [8] .

          قولهم : إنه يحسن الاستثناء سبق جوابه [9] .

          قولهم : إنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا ، قلنا : سبق جوابه أيضا [10] .

          [ ص: 216 ] قولهم : لو لم يكن للعموم لما كان قول القائل : لا إله إلا الله توحيدا ، قلنا : وإن لم يكن حقيقة في العموم فلا يمتنع إرادة العموم بها .

          وعلى هذا فمهما لم يرد المتكلم بها العموم فلا يكون قوله توحيدا ، وإن أراد ذلك كان توحيدا ، لكن لا يكون العموم من مقتضيات اللفظ ، بل من قرينة حال المتكلم الدالة على إرادة التوحيد ، وعلى هذا يكون الحكم أيضا فيما إذا قال : ما في الدار من رجل ، وقول أهل الأدب : إنها للعموم يمكن حمله على عموم الصلاحية دون الوجوب [11] .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية