الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          المسألة السابعة عشرة

          اختلفوا في خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد من أمته هل هو للباقين أم لا ؟ فنفاه أصحابنا وأثبته الحنابلة وجماعة من الناس .

          ودليلنا ما سبق في المسألة التي قبلها [1] .

          فإن قيل : ما ذكرتموه معارض بالنص والإجماع والمعنى .

          أما النص فقوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) ، وقوله ، صلى الله عليه وسلم : " بعثت إلى الناس كافة وبعثت إلى الأحمر والأسود " وقوله : " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة " .

          وأما الإجماع فاتفاق الصحابة على رجوعهم في أحكام الحوادث إلى ما حكم به النبي - عليه السلام - على آحاد الأمة .

          فمن ذلك رجوعهم في حد الزنى إلى ما حكم به على ( ماعز ) ، ورجوعهم في المفوضة إلى قصة ( بروع بنت واشق ) ، ورجوعهم في ضرب الجزية على المجوس إلى ضربه - عليه السلام - الجزية على مجوس هجر .

          ولولا أن حكمه على الواحد حكم على الجماعة لما كان كذلك .

          وأما المعنى فهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصص بعض الصحابة بأحكام دون غيره ، فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بردة في التضحية بعناق : " تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك " ، وقوله لأبي بكرة لما دخل الصف راكعا : " زادك الله حرصا ولا تعد " وقوله لأعرابي زوجه بما معه من القرآن : " هذا لك وليس لأحد بعدك " .

          [ ص: 264 ] وتخصيصه لخزيمة بقبول شهادته وحده ، وتخصيصه لعبد الرحمن بن عوف بلبس الحرير .

          ولولا أن الحكم بإطلاقه على الواحد حكم على الأمة لما احتاج إلى التنصيص بالتخصيص .

          والجواب عن الآية وعن قوله : " بعثت إلى الناس كافة وإلى الأحمر والأسود " أنه وإن كان مبعوثا إلى الناس كافة فبمعنى أنه يعرف كل واحد ما يختص به من الأحكام كأحكام المريض والصحيح والمقيم والمسافر والحر والعبد والحائض والطاهر وغير ذلك ، ولا يلزم من ذلك اشتراك الكل فيما أثبت للبعض منهم [2] .

          وعن قوله : " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة " أنه يجب تأويله على أن المراد به أنه حكم على الجماعة من جهة المعنى والقياس لا من جهة اللفظ [3] لثلاثة أوجه :

          الأول : أن الحكم هو الخطاب ، وقد بينا في المسألة المتقدمة أن خطاب الواحد ليس هو بعينه خطابا للباقين [4] .

          الثاني : أنه لو كان بعينه خطابا للباقين لزم منه التخصيص بإخراج من لم يكن موافقا لذلك الواحد في السبب الموجب للحكم عليه .

          [ ص: 265 ] الثالث : أنه لو كان خطابه المطلق للواحد خطابا للجماعة لما احتاج إلى قوله : " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة " أو كانت فائدته التأكيد ، والأصل في الدلالات اللفظية إنما هو التأسيس .

          ثم وإن كان حكمه على الواحد حكما على الجماعة فلا يلزم اطراده في حكمه للواحد أن يكون حكما للجماعة ، فإنه فرق بين حكمه للواحد وحكمه عليه والخلاف واقع في الكل [5] .

          وأما ما ذكروه من رجوع الصحابة في أحكام الوقائع إلى حكمه على الآحاد فلا يخلو ، إما أن يقال : بذلك مع معرفتهم بالتساوي في السبب الموجب ، أو لا مع معرفتهم بذلك ، الثاني خلاف الإجماع ، وإن كان الأول فمستند التشريك في الحكم إنما كان الاشتراك في السبب لا في الخطاب [6] .

          وأما المعنى فقد سبق الجواب عنه في المسألة المتقدمة .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية