الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 86 ] المسألة الرابعة

          اختلفوا في قبول الجرح والتعديل دون ذكر سببهما فقال قوم : لا بد من ذكر السبب فيهما ، أما في الجرح فلاختلاف الناس فيما يجرح به ، فلعله اعتقده جارحا وغيره لا يراه جارحا ، وأما في العدالة فلأن مطلق التعديل لا يكون محصلا للثقة بالعدالة لجري العادة بتسارع الناس إلى ذلك بناء على الظاهر .

          وقال قوم : لا حاجة إلى ذلك فيهما اكتفاء ببصيرة المزكي والجارح ، وهو اختيار القاضي أبى بكر .

          وقال الشافعي ( رضي الله عنه ) " لا بد من ذكر سبب الجرح ، لاختلاف الناس فيما يجرح به ، بخلاف العدالة فإن سببها واحد لا اختلاف فيه " .

          ومنهم من عكس الحال واعتبر ذكر سبب العدالة دون الجرح ، والمختار إنما هو مذهب القاضي أبي بكر ، وذلك لأنه إما أن يكون المزكي والجارح عدلا بصيرا بما يجرح به ويعدل ، أو لا يكون كذلك ، فإن لم يكن عدلا ، أو كان عدلا وليس بصيرا ، فلا اعتبار بقوله ، وإن كان عدلا بصيرا وجب الاكتفاء بمطلق جرحه وتعديله ، إذ الغالب مع كونه عدلا بصيرا أنه ما أخبر بالعدالة والجرح إلا وهو صادق في مقاله ، فلا معنى لاشتراط إظهار السبب مع ذلك .

          والقول بأن الناس قد اختلفوا فيما يجرح به ، وإن كان حقا إلا أن الظاهر من حال العدل البصير بجهات الجرح والتعديل أنه أيضا يكون عارفا بمواقع الخلاف في ذلك .

          والظاهر أنه لا يطلق الجرح إلا في صورة علم الوفاق عليها

          [1] وإلا كان مدلسا ملبسا بما يوهم الجرح على من لا يعتقده ، وهو خلاف مقتضى العدالة والدين ، وبمثل هذا يظهر أنه ما أطلق التعديل إلا بعد الخبرة الباطنة والإحاطة بسريرة المخبر عنه ، ومعرفة اشتماله على سبب العدالة دون البناء على ظاهر الحال .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية