الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 51 ] المسألة السابعة

          الذين قالوا بجواز التعبد بخبر الواحد عقلا ، اختلفوا في وجوب العمل به :

          فمنهم من نفاه ؛ كالقاساني والرافضة وابن داود ، ومنهم من أثبته .

          والقائلون بثبوته اتفقوا على أن أدلة السمع دلت عليه .

          واختلفوا في وجوب وقوعه بدليل العقل ، فأثبته أحمد بن حنبل والقفال وابن سريج من أصحاب الشافعي ، وأبو الحسين [1] من المعتزلة ، وجماعة كثيرة .

          ونفاه الباقون . وفصل أبو عبد الله البصري بين الخبر الدال على ما يسقط بالشبهة ، وما لا يسقط بها : فمنع منه في الأول ، وجوزه في الثاني .

          فأما من قال بكونه حجة فقد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها ، والتنبيه على ما فيها ، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار .

          الحجة الأولى : من جهة المعقول وهي ما اعتمد عليها أبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة وهي أنهم قالوا : العقلاء يعلمون وجوب العلم بخبر الواحد في العقليات ، ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك إلا وقد علموا علة وجوبه ، ولا علة لذلك سوى أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل .

          وبيان ذلك أنه قد علم بالعقل وجوب التحرز من المضار وحسن اجتلاب المنافع .

          فإذا ظننا صدق من أخبرنا بمضرة يلزمنا أن لا نشرب الدواء الفلاني ، وأن لا نفصد ، وأن لا نقوم من تحت حائط مستهدم ، فقد ظننا تفصيلا لما علمناه جملة من وجوب التحرز عن المضار .

          وبيان أن العلة للوجوب ما ذكره دورانها معها وجودا وعدما ، وذلك بعينه موجود في خبر الواحد في الشرعيات ، فوجب العمل به .

          وذلك لأنا قد علمنا في [ ص: 52 ] الجملة وجوب الانقياد للنبي صلى الله عليه وسلم ، فيما يخبرنا به من مصالحنا ودفع المضار عنا .

          فإذا ظننا بخبر الواحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعانا إلى الانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه مضرة ، فقد ظننا تفصيل ما علمناه في الجملة ، فوجب العمل به .

          ولقائل أن يقول : أما أولا ، فلا نسلم وجوب العمل بخبر الواحد في العقليات ، بل غايته إذا ظننا صدقه أن يكون العمل بخبره أولى من تركه .

          وكون الفعل أولى من الترك أمر أعم من الواجب لشموله للمندوب ، فلا يلزم منه الوجوب [2] .

          سلمنا أن العمل بخبره واجب في العقليات ، ولكن لا نسلم أن علة الوجوب ما ذكرتموه من الدوران فلا يدل على أن المدار علة الدائر [3] لجواز أن تكون علة الوجوب غير ما ذكرتموه من ظن تفصيل جملة معلومة بالعقل ، وذلك بأن تكون العلة معنا ملازما لما ذكرتموه لا نفس ما ذكرتموه .

          ولا يلزم من التلازم بينهما في العقليات التلازم بينهما في الشرعيات بجواز [4] أن يكون ذلك التلازم في العقليات اتفاقيا .

          وإن سلمنا أن علة الوجوب ما ذكرتموه ، لكن لا يلزم أن يكون ذلك علة في الشرعيات ، لجواز أن يكون خصوص ما ظن تفصيل جملته في العقليات داخلا في التعليل ، وتلك محققة في الشرعيات [5] .

          سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أنه علة بجهة عمومه ، لكن قطعا أو ظنا : الأول ممنوع والثاني مسلم .

          غير أنه منقوض بخبر الفاسق والصبي إذا غلب على الظن صدقه ، فإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع متحقق فيه ، وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب العمل به في [ ص: 53 ] الشرعيات [6] .

          سلمنا عدم الانتقاض ، لكن غاية ما ذكرتموه أنه استعمال لقياس ظني في إفادة كون خبر الواحد حجة في الشرعيات مع كونه أصلا من أصول الفقه ، وإنما يصح ذلك أن لو لم يكن التعبد في إثبات مثل ذلك بالطرق اليقينية ، وهو غير مسلم [7] .

          الحجة الثانية : أنهم قالوا : صدق الواحد في خبره ممكن ، فلو لم يعمل به ، لكنا تاركين لأمر الله تعالى وأمر رسوله ، وهو خلاف ما يقتضيه الاحتياط .

          ولقائل أن يقول : صدق الراوي ، وإن كان ممكنا وراجحا ، فلم قلتم بوجوب العمل به والاحتياط [8] بالأخذ بقوله .

          وإن كان مناسبا ، ولكن لا بد له من شاهد بالاعتبار ، ولا شاهد له سوى خبر التواتر [9] وقول الواحد في الفتوى والشهادة .

          ولا يمكن القياس على الأول ؛ لأن ذلك مفيد للعلم ، ولا يلزم من إفادته للوجوب إفادة الخبر الظني له ، ولا يمكن قياسه على الثاني ، وذلك لأن براءة الذمة معلومة ، وهي الأصل .

          وغاية قول الشاهد والمفتي ، إذا غلب على الظن صدقه مخالفة البراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد ، ولا يلزم من العمل بخبر الشاهد والمفتي مع مخالفته للبراءة الأصلية بالنظر إلى شخص واحد العمل بخبر الواحد المخالف لبراءة الذمة ، بالنظر إلى جميع الناس ، وإن سلمنا صحة القياس ، فغايته أنه مفيد لظن الإلحاق ، وهو غير معتبر في إثبات الأصول كما تقدم في [ ص: 54 ] الحجة التي قبلها [10] كيف وأنه منقوض بخبر الفاسق والصبي ، إذا غلب على الظن صدقه [11] .

          الحجة الثالثة : أنهم قالوا إذا وقعت واقعة ، ولم يجد المفتي سوى خبر الواحد فلو لم يحكم به لتعطلت الواقعة عن حكم الشارع ، وذلك ممتنع .

          ولقائل أن يقول : خلو الواقعة عن الحكم الشرعي إنما يمتنع مع وجود دليله ، وأما مع عدم الدليل ؛ فلا[12] .

          ولهذا فإنه لو لم يظفر المفتي في الواقعة بدليل ولا خبر الواحد ، فإنه لا يمتنع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي والمصير إلى البراءة الأصلية .

          وعلى هذا فامتناع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي عند الظفر بخبر الواحد يتوقف على كون خبر الواحد حجة ودليلا ، وكونه حجة يتوقف على امتناع خلو الواقعة مع وجوده عن الحكم ، وهو دور ممتنع .

          كيف وإنا لا نسلم خلو الواقعة عن الحكم الشرعي ، فإن حكم الله تعالى في حق المكلف عند عدم الأدلة المقتضية لإثبات الحكم الشرعي نفي ذلك الحكم ومدركه شرعي ، فإن انتفاء مدارك الشرع بعد ورود الشرع مدرك شرعي لنفي الحكم .

          [ ص: 55 ] الحجة الرابعة : أنه لو لم يكن خبر الواحد واجب القبول ، لتعذر تحقيق بعثة الرسول إلى كل أهل عصره ، وذلك ممتنع ، وبيان ذلك أنه لا طريق إلى تعريف أهل عصره إلا بالمشافهة أو الرسل ، ولا سبيل له إلى المشافهة للكل لتعذره . والرسالة منحصرة في عدد التواتر والآحاد ، والتواتر إلى كل أحد متعذر ، فلو لم يكن خبر الواحد مقبولا ، لما تحقق معنى التبليغ والرسالة إلى جميع الخلق فيما أرسل به ، وهو محال مخالف لقوله تعالى : ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) ولقائل أن يقول : إنما يمتنع ذلك ، أن لو كان التبليغ إلى كل من في عصره واجبا ، وأن كل من في عصره مكلف بما بعث به ، وليس كذلك ؛ بل إنما هو مكلف بالتبليغ إلى من يقدر على إبلاغه إما بالمشافهة أو بخبر التواتر [13] .

          وكذلك كل واحد من الأمة إنما كلف بما أرسل به الرسول إذا علمه ، وأما مع عدم علمه به ؛ فلا ، ولهذا فإن من كان في زمن الرسول في البلاد النائية والجزائر المنقطعة ، ولا سبيل إلى إعلامه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مكلفا بتبليغه ، ولا ذلك الشخص كان مكلفا بما أرسل به .

          الحجة الخامسة : قالوا قد ثبت أن مخالفة أمر الرسول سبب لاستحقاق العقاب ، فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول ، وغلب على الظن صدقه ، فإما أن يجب العمل بالاحتمال الراجح والمرجوح معا أو تركهما معا ، أو العمل بالمرجوح دون الراجح ، أو بالعكس بالاحتمال لا سبيل إلى الأول والثاني والثالث ؛ لأنه محال ، فلم يبق سوى الرابع وهو المطلوب .

          ولقائل أن يقول : ما المانع من القول بأنه لا يجب العمل بقوله ، ولا يجب تركه ، بل هو جائز الترك ، والقول بأن مخالفة أمر الرسول موجبة لاستحقاق العقاب مسلم فيما علم [ ص: 56 ] فيه أمر الرسول ، وأما مع عدم العلم به [14] فهو محل النزاع .

          هذا ما قيل من الحجج العقلية .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية