الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              2648 باب قبول قول القافة في الولد

                                                                                                                              وقال النووي : (باب العمل بإلحاق القائف الولد) . وقال في المنتقى: (باب الحجة في العمل بالقافة) .

                                                                                                                              قال في القاموس: "القائف": من يعرف الآثار، والجمع: "قافة"

                                                                                                                              وقاف أثره: تبعه. كقفاه واقتفاه. انتهى.

                                                                                                                              حديث الباب

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 41 جـ 10 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم مسرورا. فقال: "يا عائشة! ألم تري أن مجززا المدلجي دخل علي، فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" ].

                                                                                                                              [ ص: 451 ]

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              [ ص: 451 ] (الشرح)

                                                                                                                              (عن عائشة "رضي الله عنها" قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم مسرورا

                                                                                                                              وزاد في رواية: "تبرق أسارير وجهه". أي: تضيء، وتستنير، من السرور والفرح.

                                                                                                                              والأسارير: هي الخطوط التي في الجبهة. واحدها: سر، وسرور.

                                                                                                                              وجمعه: أسرار. وجمع الجمع: أسارير.

                                                                                                                              (فقال: يا عائشة ! ألم تري أن مجززا المدلجي: دخل علي) . بضم الميم وكسر الزاي المشددة، ثم زاي أخرى. هذا هو الصحيح المشهور.

                                                                                                                              وحكى عياض عن الدارقطني، وعبد الغني: أنهما حكيا عن ابن جريج: أنه بفتح الزاي الأولى.

                                                                                                                              وعن ابن عبد البر، وأبي علي الغساني: أن ابن جريج قال: إنه "محرز" بإسكان الحاء وبعدها راء .

                                                                                                                              والصواب: الأول.

                                                                                                                              وهو من "بني مدلج"، بضم الميم وإسكان الدال وكسر اللام. وكانت القيافة فيهم، وفي بني أسد. تعترف لهم العرب بذلك. [ ص: 452 ] فرأى أسامة وزيدا، وعليهما قطيفة، قد غطيا رءوسهما، وبدت أقدامهما. فقال: إن هذه الأقدام، بعضها من بعض

                                                                                                                              وفي لفظ: "إن بعض هذه الأقدام لمن بعض.

                                                                                                                              وهذا الحديث: رواه أبو داود، وابن ماجه، والنسائي، والترمذي.

                                                                                                                              وفي رواية متفق عليها: "فسر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعجبه، وأخبر به عائشة".

                                                                                                                              قال أبو داود: "وكان أسامة أسود، وكان زيد أبيض".

                                                                                                                              وقال عياض : قال المازري: وكانت الجاهلية، تقدح في نسب أسامة، لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبيض. كذا قاله أبو داود، عن أحمد بن صالح. فلما قضى هذا القائف: بإلحاق نسبه مع اختلاف اللون، وكانت الجاهلية، تعتمد قول القائف: فرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكونه زاجرا لهم عن الطعن في النسب.

                                                                                                                              قال القاضي: قال غير أحمد بن صالح: كان زيد أزهر اللون. وأم أسامة: هي أم أيمن. واسمها: "بركة". وكانت حبشية سوداء.

                                                                                                                              [ ص: 453 ] قال عياض : هي بركة بنت محصن بن ثعلبة.

                                                                                                                              قال النووي : اختلف العلماء في العمل بقول القائف; فنفاه أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وإسحاق. وأثبته الشافعي; وجماهير العلماء.

                                                                                                                              والمشهور عن مالك: إثباته في الإماء، ونفيه في الحرائر. وفي رواية عنه: إثباته فيهما.

                                                                                                                              ودليل الشافعي: حديث " مجزز"، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرح، لكونه: وجد في أمته من يميز أنسابها، عند اشتباهها.

                                                                                                                              ولو كانت القيافة باطلة، لم يحصل بذلك سرور. انتهى.

                                                                                                                              قال الخطابي: في هذا الحديث: دليل على ثبوت العمل بالقافة. وصحة الحكم بقولهم في إلحاق الولد. وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يظهر السرور، إلا ما هو حق عنده.

                                                                                                                              قال: وقد أثبت الحكم بالقافة: عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعطاء، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد. انتهى.

                                                                                                                              وبالجملة; في استبشاره صلى الله عليه وآله وسلم، من التقرير: [ ص: 454 ] ما لا يخالف فيه مخالف. ولو كان مثل ذلك لا يجوز في الشرع، لقال: إن ذلك لا يجوز، ولما قرره على قوله: هذه الأقدام بعضها من بعض. وهو في قوة: هذا ابن هذا، فإن ظاهره: أنه تقرير للإلحاق بالقافة مطلقا، لا إلزام الخصم بما يعتقده.

                                                                                                                              ومن الأدلة المقوية للعمل بالقافة: حديث الملاعنة المتقدم، حيث أخبر صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم: بأنها: إن جاءت به على كذا، فهو لفلان. وإن جاءت به على كذا، فهو لفلان. فإن ذلك يدل: على اعتبار المشابهة.

                                                                                                                              ومن المؤيدات للعمل بقولهم: جوابه صلى الله عليه وآله وسلم على أم سليم، حيث قالت: أو تحتلم المرأة؟. قال: "فبم يكون الشبه؟، وقال: "إن ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة، كان الشبه له". وإخباره صلى الله عليه وآله وسلم بذلك: يستلزم أنه: مناط شرعي. وإلا، لما كان للإخبار فائدة، يعتد بها.

                                                                                                                              وإذا تقرر هذا: علمت أنه: لا معارضة بين حديث العمل بالقافة، وحديث العمل بالقرعة. لأن كل واحد منهما: دل على أن ما اشتمل عليه: طريق شرعي. فأيهما حصل: وقع به الإلحاق.

                                                                                                                              [ ص: 455 ] فإن حصلا معا، فمع الاتفاق: لا إشكال. ومع الاختلاف: الظاهر: أن الاعتبار بالأول منهما، لأنه طريق شرعي يثبت به الحكم. ولا ينقضه طريق آخر يحصل بعده.

                                                                                                                              قال النووي : اتفق القائلون بالقائف: على أنه يشترط فيه: العدالة.

                                                                                                                              قال: والأصح عندنا: الاكتفاء بواحد.

                                                                                                                              وقال مالك: يشترط اثنان. قال: وهذا الحديث: يدل للاكتفاء بواحد.

                                                                                                                              قال: واتفقوا: على أنه يشترط أن يكون خبيرا بهذا، مجربا. ثم ذكر النووي : بعض تفاريع هذه المسألة. وهي معروفة في كتب الفقه; لا يحتاج هذا الكتاب إلى إيرادها.




                                                                                                                              الخدمات العلمية